والصواب أن عدد القوم، كان أكثر من عشرة آلاف، "دون من حده بأربعة آلاف، وثلاثة آلاف، وثمانية آلاف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عنهم أنهم كانوا ألوفا، وما دون العشرة آلاف لا يقال لهم: " ألوف ". وإنما يقال " هم آلاف "، إذا كانوا ثلاثة آلاف فصاعدا إلى العشرة آلاف. وغير جائز أن يقال: هم خمسة ألوف، أو عشرة ألوف"(١).
قوله تعالى:{حَذَرَ الموت}[البقرة: ٢٤٣]، "أي خوفاً من الموت وفراراً منه"(٢).
وقد ذكر أهل التفسير في قوله تعالى:{حَذَرَ الْمَوتِ}[البقرة: ٢٤٣]، وجهين (٣):
أحدهما: أنهم فرّوا من الطاعون، وهذا قول ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، وعمرو بن دينار (٦)، وقتادة (٧)، وهلال بن يساف (٨).
أخرج الطبري بسنده "عن ابن عباس في قوله: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت}، كانوا أربعة آلاف، خرجوا فرارا من الطاعون، قالوا: نأتي أرضا ليس فيها موت! حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال لهم الله: رموتوا}، فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم، فأحياهم، فتلا هذه الآية:{إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} "(٩).
والثاني: أنهم فروا من الجهاد، وهذا قول الضحاك (١٠)، ومطر (١١)، وهو وأحد قولي ابن عباس (١٢).
وأصح الأقوال وأبينها وأشهرها أنهم خرجوا فرارا من الوباء، وهو اختيار جمهور أهل التفسير (١٣). والله تعالى أعلم.
قوله تعالى:{فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ}[البقرة: ٢٤٣]، " أي: قال الله لهم موتوا فماتوا ثم أحياهم"(١٤).
قال النسفي:" أي فأماتهم الله، وإنما جيء به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته وتلك ميتة خارجة عن العادة، وفيه تشجيع للمسلمين على الجهاد، وأن الموت إذا لم يكن منه بد ولم ينفع منه مفر فأولى أن يكون في سبيل الله ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله وفضائه"(١٥).
(١) تفسير الطبري: ٥/ ٢٧٦. (٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٤١. (٣) انظر: تفسير الطبري: ٥/ ٢٧٤ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٣١٢. (٤) انظر: تفسير الطبري (٥٥٩٦): ص ٥/ ٢٦٦. (٥) انظر: تفسير الطبري (٥٦٠٩): ص ٥/ ٢٧٤. (٦) انظر: تفسير الطبري (٥٦١١): ص ٥/ ٢٧٤. (٧) انظر: تفسير الطبري (٥٦١٣): ص ٥/ ٢٧٥. (٨) انظر: تفسير الطبري (٥٦١٤): ص ٥/ ٢٧٥. (٩) تفسير الطبري (٥٥٩٦): ص ٥/ ٢٦٦، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٨١، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه "، وقال الذهبي " ميسرة، لم يرويا له وروى له البخاري في الأدب المفرد. وانظر ابن كثير ١: ٥٩٠، والدر المنثور ١: ٣١٠. و " ميسرة "، هو: " ميسرة بن حبيب النهدي "، مترجم في التهذيب. (١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٤١٧): ص ٢/ ٤٥٦. (١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٢٤١٧): ص ٢/ ٤٥٦. (١٢) انظر: تفسير الطبري (٥٥٦٩): ص ٥/ ٢٦٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٤١٧): ص ٢/ ٤٥٦. (١٣) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٢. (١٤) فتح القدير: ١/ ٢٦١. (١٥) تفسير النسفي: ١/ ١٢٩.