د- أن يكون المراد بالإحداد المقيد بالثلاث قدراً زائداً على الإحداد المعروف الذي فعلته أسماء مبالغة في حزنها على جعفر، فنهاها عن ذلك بعد الثلاث، أو لكونها كانت حاملاً فوضعت بعد ثلاث فانقضت عدتها فنهاها بعدها عن الإحداد ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى:" ثلاثاً" لأنه يحمل على أنه - صلى الله عليه وسلم - أُطلع على أن عدتها تنقضي عند الثلاث، ولعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها إحداد (١).
ولا تخلو هذه الأجوبة من نقاش وأصح ما أجاب به العلماء على هذا الحديث القول بشذوذه كما قال أحمد واسحاق والبيهقي رحمهم الله تعالى.
ثانياً: الجواب على حديث ابن عمر.
أجاب الإمام أحمد لما سئل عن هذا الحديث قائلا:" هذا منكر والمعروف عن ابن عمر من رأيه (٢).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " وهذا – أي حديث ابن عمر – يحتمل أن يكون لغير المعتدة، فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء والله أعلم (٣).
نستنتج مما سبق بأن ما ذهب إليه عامة أهل العلم هو الموافق للنصوص وأنه ليس مع المخالف ما يقاوم أدلة الجمهور والله أعلم (٤)(٥).
(١) فتح الباري: ٩/ ٤٨٧. (٢) المصدر السابق. (٣) المصدر السابق. (٤) جاء في موسوعة الفقه الاسلامي: حكمة مشروعية العدة (موسوعة الفقه الإسلامي: ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢): شرع الله عز وجل العدة لتحقيق المصالح الآتية: ١ - التأكد من براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب. ٢ - إتاحة الفرصة للمطلق أن يراجع زوجته إذا ندم، كما في الطلاق الرجعي. ٣ - تعظيم شأن النكاح، وأنه لا ينعقد إلا بشروط، ولا ينفك إلا بتريث وانتظار. ٤ - رعاية حق الزوج وأقاربه، وإظهار التأثر لفقده، وإبداء وفاء الزوجة لزوجها بعدم انتقالها لغيره إلا بعد مدة محددة. ٥ - صيانة حق الحمل إن كانت المفارقة حاملاً. والعدة واجبة على كل امرأة مات عنها زوجها قبل الدخول أو بعده، أو فارقها زوجها بعد الدخول بطلاق، أو خلع، أو فسخ. ١ - قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)} ... [البقرة: ٢٣٤]. ٢ - وقال الله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ... [البقرة: ٢٢٨]. ٣ - وقال الله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)} [الطلاق: ٤]. ٤ - وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)} [الأحزاب: ٤٩]. (٥) قد كانت المرأة في الجاهلية تحدّ على زوجها شر حداد وأقبحه، فكانت تمكث سنة كاملة لا تمسّ طيبا ولا زينة، ولا تبدو للناس في مجتمعهم، ثم تخرج بعد ذلك، وكان لهم في ذلك عادات سخيفة وخرافات شائنة. حتى إذا حال عليها الحول خرجت بأقبح منظر وأفظع مرأى، فتؤتى بدابة – حمار أو شاة أو طائر – فتمسح به جلدها فلا يكاد يعيش بعدما تتمسح به مما يجد من أوساخها وروائحها. وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض النساء لما أرادت أن تترخص لابنتها في الكحل فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالعرة على رأس الحول". وقد سئلت زينب – راوية الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها – وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت: " كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حشفاً ولبست شر ثيابها ولم تمس طيباً حتى تمر السنة ثم تؤتى بدابة – حمار أو شاة أو طائر – فتفتض به فقلما بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. [رواه البخاري في مواضع، وهو بهذا السياق في كتاب الطلاق باب: تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً ٣/ ٤٢٠ برقم (٥٣٣٤، ٥٣٣٥، ٥٣٣٦، ٥٣٣٧)، ورواه مسلم (٢/ ١١٢٣ ـ ١١٢٥) برقم (١٤٨٦) وفي رواية له (٢/ ١١٢٧) برقم (١٤٩٠) عن حفصة رضي الله عنها زاد: "فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً "]. إلى أن جاء الإسلام فأصلح من ذلك، فجعل العدة على نحو الثلث مما كانت عليه، ولم يحرم فيها إلا الزينة والطيب والتعرض لأنظار الخاطبين من مريدى الزواج، وما منع النظافة ولا الجلوس في كل مكان في البيت مع النساء والمحارم من الرجال، والكحل الذي منعه النبي صلى الله عليه وسلم هو كحل الزينة لا كحل التداوى بدليل حديث الموطأ عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار". (التمهيد لما في الموطا من المعاني والأسانيد: ١٧/ ٣١٠)، والمسلمات اليوم لا يسرن على طريق واحدة في الحداد، فمنهن من يغلون في الحداد ويغرقن في النّوح والندب والخروج من مألوف العادات في المعيشة، حتى يزدن على ما كان عليه نساء الجاهلية، ولا يخصصن الزوج بما خصه به الشرع، بل ربما حددن على الولد السنة والسنتين، وربما تركن الحداد على الزوج بعد الأربعين، فالخير كل الخير للمسلمين أن يصلحوا هذه العادات الرديئة في الحداد، إذ لا فائدة فيها إلا إفناء المال في تغيير اللباس والأثاث والرياش والماعون، وفساد آداب المعاشرة والشقاء في أحوال المعيشة، وما ينجم عن ذلك من الأمراض، ولا سيما لدى ضعفاء الأمزجة. (انظر: تفسير المراغي: ١/ ٤٣٦ - ٤٣٧).