للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثمانية. وأما بنو آدم فإن من شأن العرب إذا اجتمعت الرجال والنساء ثم أبهمت عددها: أن تخرجه على عدد الذكران دون الإناث (١)، وذكر نحوه النووي رحمه الله (٢).

القول الثاني: اختار الأوزاعي ويحي بن أبي كثير وبعض السلف وابن حزم رحمه الله اقتصار الحكم على الليالي فتخرج المرأة من العدة في يوم العاشر فليس من العدة بل انقضت عدتها بانقضاء عشر ليال واستندوا إلى ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قرأ {وعشر ليال} (٣).

والراجح هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو اختيار الشيخ محمد العثيمين (٤)، ومهما يكن من أمر فإن المسلم إذا اختلطت عليه الأمور واشتبه الحلال بالحرام وجب عليه الأخذ بالأحوط، والاحتياط هنا أن لا تخرج من عدتها إلا بتمام يوم العاشر والفارق بين القولين من حيث المدة لا يكاد يذكر فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه والله أعلم.

قال الصابوني: " وهذا الحكم [أي التربص أربعة أشهر وعشر أيام]، لغير الحامل (٥) أما الحامل فعدتها، وضع الحمل لقوله تعالى: {وَأُوْلاتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] " (٦).


(١) تفسير الطبري ٢/ ٢/٥١٥.
(٢) انظر: شرح مسلم ١٠/ ١١٢.
(٣) انظر: احكام الحداد: ٨٧.
(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥٥.
(٥) عدة الحائل هي غير الحامل. وهي إما أن تكون مدخولاً بها أو غير مدخول بها وكلا الصنفين عدته من الوفاة أربعة أشهر وعشر. لعموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: ٢٣٤]، ولما أخرجه الشيخان مرفوعاً "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً [رواه البخاري في مواضع، وهو بهذا السياق في كتاب الطلاق باب: تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً ٣/ ٤٢٠ برقم (٥٣٣٤، ٥٣٣٥، ٥٣٣٦، ٥٣٣٧). ورواه مسلم (٢/ ١١٢٣ ـ ١١٢٥) برقم (١٤٨٦) وفي رواية له (٢/ ١١٢٧) برقم (١٤٩٠) عن حفصة رضي الله عنها زاد: " فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً "].
فظاهر الآية والحديث يشملهما فلا فرق بين مدخول بها وغير مدخول بها. قال الزركشي رحمه الله: "ولا فرق بين قبل الدخول وبعده إعمالاً لعموم الآية والخبر ". [شرح الزركشي ٥/ ٥٥٢] ..
وقال ابن القيم رحمه الله: وأما عدة الوفاة فتجب بالموت سواء دخل بها أو لم يدخل اتفاقاً كما دل عليه عموم القرآن والسنة" [زاد المعاد/ ٦٦٤. وانظر: الأحكام لابن دقيق العيد (٢/ ١٩٥ – ١٩٩).].
ولما كانت غير المدخول بها تفارق المدخول بها في عدة المفارقة حال الحياة ورد النص الدال لى استوائهما في المفارقة بالوفاة.
فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها حتى مات، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: " لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث " فقام معقل بن سنان رضي الله عنه فقال: "قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بروع بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت " ففرح بها ابن مسعود. [رواه النسائي واللفظ له (٦/ ١٢١) برقم (٣٣٥٤)، وأبو داود (٢/ ٥٨٨) والترمذي (٣/ ٤٤١)، وابن ماجه (١/ ٦٠) برقم (١٨٩١)، والإمام أحمد (٣/ ٤٨٠). وابن حبان (الإحسان) (٩/ ٤٠٩) برقم (٤١٠٠) والحاكم في المستدرك (٢/ ١٨٠) وقال بعد سرد رواياته ٢/ ١٨١: " فصار الحديث صحيحاً على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي وقال الألباني في إرواء الغليل ٦/ ٣٥٩: " هو كما قالا". قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير ٣/ ١٩١: " وصححه ابن مهدي والترمذي وقال ابن حزم: لا مغمز فيه لصحة إسناده والبيهقي في الخلافيات ". وقال شيخنا عبد العزيز بن باز أثابه الله: " إسناده لا بأس به "].
وهذا قد أجمع عليه العلماء رحمهم الله.
قال ابن المنذر رحمه الله: "وأجمعوا أن عدة الحرة المسلمة التي ليست بحامل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر مدخولاً بها أو غير مدخول، صغيرة لم تبلغ أو كبيرة قد بلغت ". [الإجماع ص ١٠٨] وحكاه أيضاً في الإشراف [الإشراف على مذاهب العلماء ص ٢٧٤].
وإذا ثبت لزوم العدة للحائل مدخولاً بها أو غير مدخول فإن النصوص دلت على أن مدة الإحداد هي مدة العدة كما تقدم، فتحد الحائل المتوفى عنها أربعة أشهر وعشراً. قال ابن قدامة رحمه الله: "فإن قيل: ألا حملتم الآية {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} لعلى المدخول بها. كما قلتم في قوله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء} [البقرة: ٢٢٨]، قلنا إنما خصصنا هذه بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: ٤٩].
ولم يرد تخصيص عدة الوفاة ولا أمكن قياسها على المطلقة في التخصيص لوجهين.
أحدهما: أن النكاح عقد عمر فإذا مات انتهى والشيء إذا انتهى تقرت أحكامه كتقرر أحكام الصيام بدخول الليل، وأحكام الإجارة بانقضائها، والعدة من أحكامه.
الثاني: أن المطلقة إذا أتت بولد يمكن الزوج تكذيبها ونفيه باللعان وهذا ممتنع في حق الميت فلا يؤمن أن تأتي بولد فيلحق الميت نسبه ومماله من ينفيه فاحتطنا بإيجاب العدة عليها لحفظها من التصرف والمبيت في غير منزلها حفظاً لها. [المغني ١١/ (٢٢٣ – ٢٢٤)].
(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١٣٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>