وذهب كثير من أهل العلم إلى أنه ينتهي وقت المراجعة بالطهارة من الحيضة الثالثة؛ وأوَّلوا قوله تعالى: {فبلغن أجلهن} أن المعنى: قاربن بلوغ أجلهن؛ وأنه لا رجعة بعد الطهر من الثالثة؛ والقول الأول أصح؛ لأنه هو ظاهر الآية؛ وهو الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم؛ ويكون هذا من باب التوسعة على الزوج؛ لأنه قد يندم فيرجع؛ وهو نظير ثبوت الخيار بين المتبايعين ما داما في المجلس؛ وإلا فالعقد قد تم بالإيجاب، والقبول؛ لكن لهما الخيار ما داما في المجلس توسعة عليهما؛ وهذا شيء معلوم في غريزة الإنسان، وطبيعته: إنه إذا منع من الشيء صار في شوق إليه؛ فإذا حصله فقد يزهد فيه.
٣ - ومن فوائد الآية: أن الإمساك بمعروف، أو التسريح بمعروف واجب؛ لقوله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف}.
٤ - ومنها: وجوب المعاشرة بالمعروف حتى بعد الطلاق؛ لقوله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} لئلا يؤذي الإنسان زوجته بالقول؛ أو بالفعل، أو بمنع الحقوق، أو ما أشبه ذلك؛ ومما هو معروف أن ما يجري بين الأزواج أحياناً من المشاحنة، وادعاء الزوج ما يكون لزوجته من الأمتعة التي أعطاها إياها في المهر، أو فيما بعد ذلك حتى يطالبها بالحلي الذي أعطاها؛ خلاف المعروف الذي أمر الله به.
٥ - ومنها: عناية الله عزّ وجلّ بعباده في أن يتعاملوا بينهم بالمعروف سواء في حال الاتفاق، أو في حال الاختلاف؛ لأن ذلك هو الذي يقيم وحدة الأمة؛ فإن الأمة إذا لم تتعامل بالمعروف - بل بالمنكر، والإساءة - تفرقت، واختلفت؛ فالأمة الإسلامية أمة واحدة، كما قال الله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً} [آل عمران: ١٠٣].
٦ - ومنها: تحريم إمساك المطلقة - أي مراجعتها - للإضرار بها؛ لقوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}.
٧ - ومنها: أن كل من عامل أخاه ضراراً فهو معتدٍ؛ فلا يحل لأحد أن يعامل أخاه المسلم على وجه المضارة؛ وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من ضار ضار الله به، ومن شاق شق الله عليه" (١)؛ وجاء في حديث آخر: "لا ضرر ولا ضرار" (٢)؛ فالمضارة بين المسلمين محرمة؛ لذلك قال تعالى: {ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا}.
٨ - ومنها: أن المضارة عدوان؛ لقوله تعالى: {لتعتدوا} سواء كانت اللام للعاقبة، أو للتعليل - أي سواء كان المقصود من المضارة الاعتداء؛ أو لم يقصد الاعتداء لكن حصل.
٩ - ومنها: تحريم ظلم الإنسان لنفسه؛ لأن الله تعالى نهى عن هذه الأشياء، ثم قال تعالى: {ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه}.
١١ - ومنها: أن فعل المعاصي ظلم للنفس؛ فلا يقول الإنسان: «أنا حر أفعل ما أشاء، وأصبر على العذاب»؛ هذا خطأ؛ فأنت لا يحل لك أن تظلم نفسك؛ فظلم الغير عدوان، وحرام؛ وظلم النفس أيضاً عدوان، وحرام؛ وفي الحديث: «ولنفسك عليك حقاً» (٣).
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٥٣، حديث ١٥٨٤٧، وأخرجه الترمذي ص ١٨٤٧، كتاب البر والصلة، باب ٢٧: ما جاء في الخيانة والغش، حديث رقم ١٩٤٠؛ وأخرجه أبو داود ص ١٤٩٢، كتاب القضاء باب ٣١: في القضاء، حديث رقم ٣٦٣٥، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٦١٧، كتاب الأحكام، باب ١٧: من بنى في حقه ما يضر جاره، حديث رقم ٢٣٤٢، قال الألباني في صحيح أبي داود ٢/ ٤٠٤: حسن.
(٢) أخرجه أحمد ١/ ٣١٣، حديث رقم ٢٨٦٧ من حديث ابن عباس، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٦١٧، كتاب الأحكام، باب ١٧: من بني في حقه ما يضر جاره، حديث رقم ٢٣٤٠؛ وأخرجه مالك في الموطأ مرسلاً ٢/ ٥٧١، كتاب الأقضية، باب ٢٦، القضاء في المرفق، وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق أبي سعيد الخدري ٢/ ٥٧ – ٥٨، وقال حديث صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي؛ وقال الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٤٤٣، حديث رقم ٢٥٠، صحيح.
(٣) أخرجه البخاري ص ١٥٤، كتاب الصوم، باب ٥١: من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ... ، حديث رقم ١٩٦٨.