والراجح هو قول الجمهور، والدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعا على أن ذلك معناه، ويؤيده حديث عائشة، قالت:" جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفاعَةَ (١) الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ. فَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ " (٢).
(١) هو: رفاعة بن سموال القرظي، من بني قريظة وهو خال صفية بنت حييّ بن أخطب-أم المؤمنين- وج النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أمها برّة بنت سموال. انظر: الإصابة: ٢/ ٤٠٨. وأسد الغابة لابن الأثير: ٢/ ٢٧١. (٢) رواه البخاري (٢٦٣٩) ومسلم (١٤٣٣). وروايات الحديث تدل على أنه تزوجها وهو راغب في التمسك بها، ولم يطلقها بمجرد طلبها الطلاق، وإنما هي أرادت أن تعود لزوجها الأول، فبين لها النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا يحل لها ذلك حتى يدخل بها الزوج الثاني، وهي كانت قد ذكرت أنه لم يدخل بها. وروى مسلم (١٤٣٣): عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "لَا حَتَّى يَذُوقَ الْآخِرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ ". وهذا الحديث له عشرة اسانيد في وجوب الدخول بالمطلقة ثلاثا حتى تحل لزوجها الأول، وهذا أمر مجمع عليه ثبت بالدلائل المتواترة. ويجب أن يكون الزوج الثاني راغبا في المرأة قاصدا لدوام عشرتها، مما هو القصد الصحيح للزواج. أما إذا تزوجها ودخل بها قاصدا تحليلها للزوج الأول أو كان ذلك مفهوما من واقع الحال - فإن هذا هو المحلل الذي لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعن المحلل له. وكان نكاح هذا الثاني باطلا لا تحل به المعاشرة. وقال ابن عبد البر رحمه الله: " وفي قوله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة: (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) دليل على أن إرادة المرأة الرجوع إلى زوجها لا يضر العاقد عليها، وأنها ليست بذلك في معنى التحليل المستحق صاحبه اللعنة " انتهى."التمهيد" (١٣/ ٢٢٧). وقال ابن القيم رحمه الله: " لا أثر لنية الزوجة ولا الولي وإنما التأثير لنية الزوج الثاني فإنه إذا نوى التحليل كان محللا فيستحق اللعنة ثم يستحقها الزوج المطلق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل، فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضر ذلك العقد شيئا. وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ترجع إليه ولم يجعل ذلك مانعا من رجوعها إليه، وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني فقال: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" " انتهى. إعلام الموقعين" (٤/ ٤٥ - ٤٦). و(العسيلة): مصغر عسل؛ وأُنِّث لأنَّ العسلَ مؤنث، وقيل: إنه يذكَّر ويؤنث، وقد اختلف في المرادِ بذلك: أ- فقيل: إنزال المني، وأنَّ التحليل لا يكون إلا بذلك. والعسيلة في اللغة تطلق على النطفة أو ماء الرجل. ب- وقيل: ذوق العسيلةِ كناية عن المجامعة؛ وهو تغيب الحشفة من الرجل في فرج المرأة، ويكفي منه ما يوجب الحد والصداق. ج- وقيل: إنَّ العسيلة هي لذة الجماع، وقد شبهت بالعسل للذته، والعرب تسمي كلَّ شيء تستلذه: عسلاً. (انظر: النهاية في غريب الحديث: ٦٠٣، والمغني لابن باطيش ١/ ٥٢٦، وفتح الباري (مقدمة) ص ١٦٥، وعارضة الأحوذي لابن العربي: ٥/ ٤٧، والموسوعة الفقهية الكويتية (عسيلة): ٣٠/ ٩٩، وسبل السلام، محمد بن إسماعيل الكحلاني؛ الجزء الثالث، كتاب النكاح، مكتبة الحلبي، الطبعة الرابعة، ١٩٦٠ ص: ١٢٨). فهذا الحديث يدل على أنه لا بد فيمن طلقها زوجها ثلاثاً ثم تزوجها زوج آخر من الوطء فلا تحل للأول إلا بعده، فقد يجوز رجوعها إلى زوجها الأول إذا حصل الجماع من الثاني ويعقبه الطلاق منه لكن شرط أن لا يكون في ذلك مخادعة من الزوج الثاني ولا إرادة تحليلها للأول، فالمُحلل مرفوض في الشرع.
ونكاح التحليل: هو أن ينكحها من أجل أن يحلها لزوجها الأول، ثم يطلقها، وهو محرم وفاسد في قول عامة أهل العلم، ولا تحل به المرأة لزوجها الأول. وسواء في ذلك إذا صرح بقصده عند العقد، واشترطوا عليه أنه متى أحلها لزوجها طلقها، أو لم يشترطوا ذلك وإنما نواه في نفسه فقط. وانظر: "المغني" (٧/ ٥٧٤). وقد روى أبو داود (٢٠٧٦) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ). وصححه الألباني في " صحيح أبي داوود " .. والْمُحَلِّلَ هو من تزوجها ليحلها لزوجها الأول. وَالْمُحَلَّلَ له هو زوجها الأول. وروى ابن ماجة (١٩٣٦) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ )، قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: (هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ) وحسنه الألباني في " صحيح سنن ابن ماجة ". وروى عبد الرزاق (٦/ ٢٦٥) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال وهو يخطب الناس: " والله لا أوتى بمحلٍّ ومحلَّل له إلا رجمتهما ". قال ابن قدامة رحمه الله: " ونكاح المحلل فاسد، , يثبت فيه سائر أحكام العقود الفاسدة، ولا يحصل به الإحصان، ولا الإباحة للزوج الأول، كما لا يثبت في سائر العقود الفاسدة ". انتهى من "المغني" (٧/ ٥٧٤). قلت: ولا بد أن يكون نكاح الزوج الثاني نكاح رغبة في المرأة، قاصداً لدوام عشرتها، فأما إذا كان الثاني إنما قصد أن يحلها للأول فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بلعنه، فقال صلى الله عليه وسلم: لعن الله المحلل والمحلل له. رواه أبوداود (٢٠٧٦) وابن ماجة (١٩٣٦)، وروى الحاكم أن رجلاً جاء ابن عمر رضي الله عنهما، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ فقال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله". (السنن الكبرى: ٧/ ٢٠٨) وروي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ المُحَلِّلِ قَالَ: " لَا نِكَاحَ إِلَّا نِكَاحُ رَغْبَةٍ، لَا نِكَاحُ دَلْسَةٍ، وَلَا مُسْتَهْزِئٌ بِكِتَابِ اللَّهِ لَمْ يَذُقِ الْعُسَيْلَةَ ". المعجم الكبير: (١١٥٦٧): ١١/ ٢٢٦).