التفسير:
فإن طلَّق الرجل زوجته الطلقة الثالثة، فلا تحلُّ له إلا إذا تزوجت رجلا غيره زواجًا صحيحًا وجامعها فيه ويكون الزواج عن رغبة، لا بنية تحليل المرأة لزوجها الأول، فإن طلقها الزوج الآخر أو مات عنها وانقضت عدتها، فلا إثم على المرأة وزوجها الأول أن يتزوجا بعقد جديد، ومهر جديد، إن غلب على ظنهما أن يقيما أحكام الله التي شرعها للزوجين. وتلك أحكام الله المحددة يبينها لقوم يعلمون أحكامه وحدوده؛ لأنهم المنتفعون بها.
قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: ٢٣٠]، أي: فإن طلقها "المرة الثالثة بعد المرتين" (١).
قال ابن كثير: " أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين" (٢).
قال الشوكاني: " أي فإن وقع منه ذلك فقد حرمت عليه بالتثليث" (٣).
وفي قوله تعالى: {فَإِن طَلَّقَهَا} [البقرة: ٢٣٠]، وجهان (٤):
أحدهما: أنها الطلقة الثالثة. وهو قول السدي (٥)، وقتادة (٦)، وابن عباس (٧)، والضحاك (٨)، وبه قال جمهور أهل التفسير.
والثاني: أن ذلك تخيير لقوله تعالى: {أَو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، وهو قول مجاهد (٩). واختاره الطبري (١٠).
قوله تعالى: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوجاً غَيرَهُ} [القرة: ٢٣٠]، أي: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " (١١).
قال ابن عباس: " يقول: إن طلقها ثلاثا فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره" (١٢). وروي عن السدي (١٣) نحوه.
قال القرطبي: "وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه" (١٤).
وقد اختلف العلماء فيما يكفي من النكاح، وما الذي يبيح التحليل، فذكروا فيه وجهان (١٥):
أحدهما: أن مجرد العقد كاف.
(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١١٦.
(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٢١.
(٣) فتح القدير: ١/ ٢٣٩.
(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٥٨٦ وما بعدها، والنكت والعيون: ١/ ٢٩٦.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٤٨٨٥): ص ٤/ ٥٨٦.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٨٨١): ص ٤/ ٥٨٥ - ٥٨٦ ..
(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٨٨٢): ص ٤/ ٥٨٦.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٨٨٣): ص ٤/ ٥٨٦.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٨٨٦)، و (٤٨٨٧): ص ٤/ ٥٨٧.
(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٥٨٧. قال الطبري: " والذي قاله مجاهد في ذلك عندنا أولى بالصواب، للذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي رويناه عنه أنه قال - أو سئل فقيل: هذا قول الله تعالى ذكره: " الطلاق مرتان " فأين الثالثة؟ قال: " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ". فأخبر صلى الله عليه وسلم، أن الثالثة إنما هي قوله: " أو تسريح بإحسان " فإذ كان التسريح بالإحسان هو الثالثة، فمعلوم أن قوله: " فإن طلقها فلا تحل لا من بعد حتى تنكح زوجا غيره " من الدلالة على التطليقة الثالثة بمعزل، وأنه إنما هو بيان عن الذي يحل للمسرح بالإحسان إن سرح زوجته بعد التطليقتين، والذي يحرم عليه منها، والحال التي يجوز له نكاحها فيها وإعلام عباده أن بعد التسريح على ما وصفت لا رجعة للرجل على امرأته".
(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ١٤٧.
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٢٣٠): ص ٢/ ٤٢٢.
(١٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٤٢٢.
(١٤) تفسير القرطبي: ٣/ ١٤٧.
(١٥) انظر: تفسير القطرطبي: ٣/ ١٤٧ - ١٤٨.