للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

عن محمد قال: قلت لعبيدة: ما يحلُّ لي من امرأتي إذا كانت حائضًا؟ قال: الفراش واحد، واللحاف شتى" (١).

وأخرج الطبري سنده عن "ندبة مولاة آل عباس قالت: بعثتني ميمونة ابنة الحارث - أو: حفصة ابنة عمر - إلى امرأة عبد الله بن عباس، وكانت بينهما قرابةٌ من قبل النساء، فوجدت فراشَها معتزلا فراشَه، فظنت أن ذلك عن الهجران، فسألتها عن اعتزال فراشِه فراشَها، فقالت: إنيّ طامث، وإذا طمثت اعتزل فراشي. فرجعتُ فأخبرتُ بذلك ميمونة - أو حفصة - فردَّتني إلى ابن عباس، تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم! فوالله لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام مع المرأة من نسائه وإنها لحائض، وما بينه وبينها إلا ثوبٌ ما يجاوز الركبتين" (٢).

واستدلّ قائلو هذه المقالة: "بأنّ الله تعالى ذكره أمر باعتزال النساء في حال حيضهنّ، ولم يخصصن منهن شيئًا دون شيء، وذلك عامٌّ على جميع أجسادهنّ، واجبٌ اعتزالُ كل شيء من أبدانهن في حيضهنّ" (٣).

قال القرطبي: "وهذا قول شاذ خارج عن قول العلماء، وإن كان عموم الآية يقتضيه فالسنة الثابتة بخلافه " (٤).

قال الشوكاني: "وأما ما يروى عن ابن عباس وعبيدة السلماني انه يجب على الرجل ان يعتزل فراش زوجته إذا حاضت فليس ذلك بشيء ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض وهو معلوم من ضرورة الدين" (٥).

والثاني: أن الذي أمر الله تعالى ذكره باعتزاله منهن، موضع الأذى، وذلك موضعُ مخرج الدم. وهذا قول عائشة (٦)، وأم سلمة (٧)، وابن عباس (٨)، والحسن (٩)، ومجاهد (١٠)، وعامر (١١)، وعكرمة (١٢).


(١) تفسير الطبري (٤٢٣٩): ص ٤/ ٣٧٥.
(٢) تفسير الطبري (٤٢٤٠): ص ٤/ ٣٧٦. والحديث رواه أحمد في المسند ٦: ٣٣٢ (حلبي) عن يزيد بن هرون، بهذا الإسناد، نحوه، مع بعض اختصار. وهو في روايته عن ميمونة جزمًا، ليس فيه الشك بينها وبين حفصة. وهو الصواب ولعل الشك هنا من الطبري، أو من شيخه تميم بن المنتصر. ثم إن ابن إسحاق خطأ هنا في جعل الحديث " عن الزهري، عن عروة ". ولعل الخطأ من يزيد بن هرون. والصواب أنه " عن الزهري، عن حبيب مولى عروة، عن ندبة ". وبذلك تضافرت الروايات في هذا الإسناد، كما سيأتي. ويؤيده أن ابن سعد ذكر في ترجمتها أنها تروي عن عروة، وروى بإسناده خبرًا عنها عن عروة بن الزبير. و " حبيب مولى عروة ": هو حبيب الأعور، مولى عروة بن الزبير. وهو تابعي ثقة، قال ابن سعد: " مات قديمًا في آخر سلطان بني أمية ". وأخرج له مسلم في صحيحه.
والحديث رواه - على الصواب - البيهقي في السنن الكبرى ١: ٣١٣، من طريق بشر بن شعيب بن أبي حمزة، عن أبيه، عن الزهري، قال: " أخبرني حبيب مولى عروة بن الزبير، أن ندبة مولاة ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أخبرته أنها أرسلتها ميمونة إلى عبد الله بن عباس. . . "، فذكره مطولا.
ثم إن الحديث معروف من هذا الوجه على الصواب، مختصرًا بدون ذكر قصة ابن عباس.
فرواه أحمد في المسند ٦: ٣٣٢ (حلبي)، عن حجاج وأبي كامل، عن الليث، عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة، ولم يذكر لفظه، وأحاله على الرواية السابقة. ثم رواه بعد ذلك، ص: ٣٣٥ - ٣٣٦، عن حجاج وأبي كامل، بالإسناد نفسه. وذكر لفظه مختصرًا عن ميمونة، دون القصة.
وكذلك رواه أبو داود: ٢٦٧، وابن حبان في صحيحه ٢: ٥٦٩ (مخطوطة الإحسان). والبيهقي ١: ٣١٣ - كلهم من طريق الليث بن سعد، به. وكذلك رواه النسائي ١: ٥٤ - ٥٥، ٦٧، من طريق يونس والليث - كلاهما عن ابن شهاب، به مختصرًا.
فعن هذه الروايات كلها استيقنت أن رواية ابن إسحاق - هنا وعند أحمد - " عن الزهري، عن عروة " خطأ.
(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧٧.
(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٨٦.
(٥) فتح القدير: ١/ ٢٢٧.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٤٢٤٢): ص ٤/ ٣٧٧.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٤٢٥٢): ص ٤/ ٣٨٠.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٢٤٨): ص ٤/ ٣٧٩.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٢٥٣): ص ٤/ ٣٨٠.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٢٥٥): ص ٤/ ٣٨٠.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٢٥٦): ص ٤/ ٣٨٠.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٢٥٧): ص ٤/ ٣٨٠ - ٣٨١.

<<  <  ج: ص:  >  >>