للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعن الشعبي قال: نزلت في الخمر أربعُ آيات: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس}، فتركوها، ثم نزلت: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [سورة النحل: ٦٧]، فشربوها ثم نزلت الآيتان في " المائدة ": {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ} إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} " (١).

وعن السدي قال: " نزلت هذه الآية: {يسألونك عن الخمر والميسر} الآية، فلم يزالوا بذلك يشربونها، حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم علي بن أبي طالب، فقرأ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، ولم يفهمها. فأنزل الله عز وجل يشدد في الخمر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}، فكانت لهم حلالا يشربون من صلاة الفجر حتى يرتفع النهار، أو ينتصف، فيقومون إلى صَلاة الظهر وهم مُصْحُون، ثم لا يشربونها حتى يُصَلوا العَتَمة - وهي العشاء - ثم يشربونها حتى ينتصف الليل، وينامون، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا - فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعامًا، فدعا ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم رجل من الأنصار، فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه، فلما أكلوا وشربوا من الخمر، سكروا وأخذوا في الحديث. فتكلم سعد بشيء فغضب الأنصاري، فرفع لَحْي البعير فكسر أنف سعد، فأنزل الله نَسْخ الخمر وتحريمها وقال: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ} إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} " (٢).

وقال مجاهد في قوله: {يسألونك عن الخمر والميسر}، : لما نزلت هذه الآية شربها بعض الناس وتركها بعضٌ، حتى نزل تحريمها في " سورة المائدة" (٣).

وعن قتادة: قوله: {يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثم كبير ومنافع للناس}، فذمَّهما الله ولم يحرِّمهما، لما أراد أن يبلغ بهما من المدة والأجل. ثم أنزل الله في " سورة النساء " أشد منها: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}، فكانوا يشربونها، حتى إذا حضرت الصلاة سكتوا عنها، فكان السكر عليهم حرامًا. ثم أنزل الله جل وعز في " سورة المائدة " بعد غزوة الأحزاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} إلى {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فجاء تحريمها في هذه الآية، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر. وليس للعرب يومئذ عيش أعجبُ إليهم منها" (٤).

وعن الربيع قوله: "ر يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}، قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ربكم يُقدِّم في تحريم الخمر، قال: ثم نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنّ ربكم يقدِّم في تحريم الخمر. قال: ثم نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}، فحرّمت الخمر عند ذلك" (٥).

وقال ابن زيد في قوله: {يسألونك عن الخمر والميسر} الآية كلها، قال: نسخت ثلاثةً، في " سورة المائدة "، وبالحدّ الذي حدَّ النبي صلى الله عليه وسلم، وضَرْب النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضربهم بذلك حدًّا، ولكنه كان يعمل في ذلك برأيه، ولم يكن حدًّا مسمًّى وهو حَدٌّ، وقرأ: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية" (٦).


(١) تفسير الطبري (٤١٤٦): ص ٤/ ٣٣٤.
(٢) تفسير الطبري (٤١٤٧): ص ٤/ ٣٣٤.
(٣) تفسير الطبري (٤١٤٨): ص ٤/ ٣٣٥.
وفي رواية (٤١٤٩): ص ٤/ ٣٣٥: " هذا أول ما عِيبت به الخمر".
(٤) تفسير الطبري (٤١٥٠): ص ٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٥) تفسير الطبري (٤١٥١): ص ٤/ ٣٣٦.
(٦) تفسير الطبري (٤١٥٢): ص ٤/ ٣٣٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>