قال الراغب: " (وأعطاه بغير حساب)، إذا أعطاه أكثر مما يستحق وأقل مما يستحق والأول هو المقصود هاهنا، وهو المشار إليه بالإحسان، وقد فسر ذلك على أوجه لاحتمال اللفظ، وإيهامه:
الأول: يعطيه [عطاء] أكثر مما يستحقه.
الثاني: يعطيه ولا يأخذ منه.
الثالث: يعطيه عطاءً لا يحويه حصر العباد، لقول الشاعر (١):
عطاياهُ تحْصَى قبل إحصائها القطرُ
الرابع: يعطيه بلا مضايقة، من قولهم: حاسبته أي ضايقته
الخامس: يعطيه أكثر مما يحسبه أي يكفيه، وكل هذه الوجوه تحتمل أن يكون ذلك في الدنيا وفي الآخرة.
السادس: إن ذلك إشارة إلى توسيعه على الكفار والفساق الذين قال فيهم: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ} تنبيهاً أن لا فضيلة في المال، ولا إكرام لمن يوسع عليه ما لم يستعن به في الوصول إلى المطلوب منه، ولهذا قال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ} الآية، ولهذا قال أمير المؤمنين: " من وسع عليه في دنياه فلم يعلم أنه مكر به فقد خدع عن عقله ".
السابع: يعطي أولياءه بلا تبعه ولا حساب عليهم فيما يعطون، وذاك أن المؤمن لا يأخذ من عرض الدنيا إلا من حيث يجب، وفي وقت ما يجب وعلى الوجه الذي يجب، ولا ينفقه إلا على ذلك، فهو يحاسب نفسه فلا يحاسب، ولهذا ما روي: " من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب في القيامة "، وعلى هذا قال لسليمان: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: تحر فيما أعطيناك الوجه الذي لا تبعة فيه عليك ولا حساب، الثامن: أن الله عز وجل- يقابل المؤمني في القيامة لا بقدر استحقاقهم، بل بأكثر منه كما قال: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ}.
التاسع: وهو يقارب ذلك إن ذلك إشارة إلى ما روي أن أهل الجنة لا خطر عليهم، وعلى ذلك قوله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ}، وقوله: {فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ}، وأما تعلقه بما تقدم، فعلى بعض هذه التفاسير يتعلق بالذين كفروا، وعلى بعضه يتعلق بالذين آمنوا" (٢).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: انخداع الكافرين بالحياة الدنيا؛ لقوله تعالى: {زين للذين كفروا الحياة الدنيا}.
٢ - ومنها: أن الكفار عاشقون لها، وأنها هي همهم، وغرضهم؛ لأن ما زين للشخص فلا بد أن يكون الشخص مهتماً به طالباً له.
٣ - ومنها: أن المؤمنين ليست الدنيا في أعينهم شيئاً؛ لقوله تعالى: {للذين كفروا}؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يعجبه في الدنيا يقول: «لبيك! إن العيش عيش الآخرة» (٣) لتوجيه النفس إلى إجابة الله؛ لا إلى إجابة رغبتها، ثم يقنع النفس أيضاً: أني ما صددتك وأجبت الرب عزّ وجلّ إلا لخير؛ لأن العيش عيش الآخرة؛ والعجيب أن من طلب عيش الآخرة طاب له عيش الدنيا؛ ومن طلب عيش الدنيا ضاعت عليه الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} [الزمر: ١٥]؛ هذه هي الخسارة: خسروا أنفسهم؛ لأن مآلهم النار - والعياذ بالله -؛ وأهلوهم أيضاً الذين في النار لا يهتم
(١) لم أتعرف على قائله، والبيت من شواهد الراغب في تفسيره: ١/ ٤٣٩.
(٢) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٣٨ - ٤٣٩.
(٣) أخرجه الشافعي في مسنده ١/ ٣٠٤، حديث رقم ٧٩٢، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٤٨، باب: كان إذا رأى شيئاً يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة، حديث ١٣١٠٠، أخرجه البيهقي بسنده إلى الشافعي، والحديث مرسل لأنه عن مجاهد أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ... ، الحديث.