والراجح أنه من صلة فعل الرب عز وجل، وأن معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وتأتيهم الملائكة، وقد روي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن من الغمام طاقات يأتي الله فيها محفوفًا، وذلك قوله:{هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقُضي الأمر}" (١)(٢)(٣).
وقد اختلف في صفة إتيان الرب تبارك وتعالى الذي ذكره في قوله:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ}[البقرة: ٢١٠]، وذكروا في ذلك وجوها (٤):
أحدها: أنه لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه عز وجل من المجيء والإتيان والنزول، وغيرُ جائز تكلُّف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله جل جلاله، أو من رسول مرسل، فأما القول في صفات الله وأسمائه، فغيرُ جائز لأحد من جهة الاستخراج إلا بما ذكرنا.
والثاني: أن إتيانه عز وجل، نظيرُ ما يعرف من مجيء الجائي من موضع إلى موضع، وانتقاله من مكان إلى مكان.
والثالث: أن معنى قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله}، يعني به: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمرُ الله، كما يقال:(قد خشينا أن يأتينا بنو أمية)، يراد به: حُكمهم.
ذهب الرازي إلى أن معنى قوله:{أن يأتيهم الله} أي يأتيهم أمره وبأسه فهو على حذف مضاف مثل قوله: {واسأل القرية} واستدل على ذلك بالآية الأخرى {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك}(٥).
قال ابن عثيمين: " وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، وصرف للكلام عن ظاهره بلا دليل" (٦).
(١) حديث ضعيف، وذكره السيوطي ١: ٢٤١ - ٢٤٢ ونسبه لابن جرير والديلمي فقط. ونقل قبله نحو معناه، موقوفًا على ابن عباس ونسبه لعبد بن حميد، وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم. ولعله موقوفًا أشبه بالصواب. (٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥. (٣) قال ابن عاشور: "وقوله تعالى: {في ظلل من الغمام} أشد إشكالاً من إسناد الإتيان إلى الله تعالى لاقتضائه الظرفية، وهي مستحيلة على الله تعالى، وتأويله إما بأن (في) بمعنى (الباء) أي: يأتيهم بظلل من الغمام، وهي ظلل تحمل العذاب من الصواعق أو الريح العاصفة أو نحو ذلك إن كان العذاب دنيوياً، أو في ظلل من الغمام تشتمل على ما يدل على أمر الله تعالى أو عذابه {وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركرم} [الطور: ٤٤]، وكان رسول الله إذا رأى السحاب رئي في وجهه الخوف من أن يكون فيه عذاب، أو على كلامه تعالى، أو الحاجبة لأنوار يجعلها الله علامة للناس يوم القيامة على ابتداء فصل الحساب يدرك دلالتها أهل الموقف وبالانكشاف الوجداني، وفي تفسير القرطبي والفخر قيل: إن في الآية تقديماً وتأخيراً، وأصل الكلام أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، فالغمام ظرف لإتيان الملائكة، وروي أن ابن مسعود قرأها كذلك، وهذه الوجوه كلها مبنية على أن هذا إخبار بأمر مستقبل، فأما على جعل ضمير {ينظرون} مقصوداً به المنافقون من المشركين أو اليهود بأن يكون الكلام تهكماً أي ماذا ينتظرون في التباطؤ عن الدخول في الإسلام، ما ينتظرون إلاّ أن يأتيهم الله في أحوال اعتقدوها فيكلمهم ليدخلوا في الدين، فإنهم قالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: ٥٥] واعتقدوا أن الله في الغمام، أو يكون المراد تعريضاً بالمشركين، وبعض التأويلات تقدمت مع تأويل الإتيان. وقرأه الجمهور (والملائكة) بالرفع عطفاً على اسم الجلالة، وإسنادُ الإتيان إلى الملائكة لأنهم الذين يأتون بأمر الله أو عذابه وهم الموكل إليهم تنفيذ قضائه، فإسناد الإتيان إليهم حقيقة فإن كان الإتيان المسند إلى الله تعالى مستعملاً في معنى مجازي فهو مستعمل بالنسبة للملائكة في معناه الحقيقي فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وإن كان إسناد الإتيان إلى الله تعالى مجازاً في الإسناد فإسناده إلى الملائكة بطريق العطف حقيقة في الإسناد ولا مانع من ذلك؛ لأن المجاز الإسنادي عبارة عن قصد المتكلم مع القرينة، قال حُمَيْد بن ثَوْر يمدح عبد الملك: أتاك بي الله الذي نَوَّر الهدى ... ونورٌ وإسلامٌ عليكَ دليل فأسند الإتيان به إلى الله وهو إسنادٌ حقيقي ثم أسنده بالعطف للنورِ والإسلام، وإسناد الإتيان به إليهما مجازي لأنهما سبب الإتيان به ألا ترى أنه قال (عليك دليل) " (التحرير والتنوير: ٢/ ٢٨٧). (٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٥ وما بعدها، وتفسير الثعلبي: ٢: ١٢٩ - ١٣٠. (٥) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٦١. (٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥، ثم قال: " فنحن نقول: الذي نسب فعل الإتيان إليه هو الله عزّ وجلّ؛ وهو أعلم بنفسه؛ وهو يريد أن يبين لعباده، كما قال تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: ١٧٦]؛ وإذا كان يريد أن يبين، وهو أعلم بنفسه، وليس في كلامه عِيٌّ، وعجز عن التعبير بما أراد؛ وليس في كلامه نقص في البلاغة؛ إذاً فكلامه في غاية ما يكون من العلم؛ وغاية ما يكون من إرادة الهدى؛ وغاية ما يكون من الفصاحة، والبلاغة؛ وغاية ما يكون من الصدق؛ فهل بعد ذلك يمكن أن نقول: إنه لا يراد به ظاهره؟ ! كلا؛ لا يمكن هذا إلا إذا قال الله هو عن نفسه أنه لم يرد ظاهره؛ إذاً المراد إتيان الله نفسه؛ ولا يعارض ذلك أن الله قد يضيف الإتيان إلى أمره، مثل قوله تعالى: {أتى أمر الله} [النحل: ١]، ومثل قوله تعالى: {أو يأتي أمر ربك} [النحل: ٣٣]؛ لأننا نقول: إن هذا من أمور الغيب؛ والصفات توقيفية؛ فنتوقف فيها على ما ورد؛ فالإتيان الذي أضافه الله إلى نفسه يكون المراد به إتيانه بنفسه؛ والإتيان الذي أضافه الله إلى أمره يكون المراد به إتيان أمره؛ لأنه ليس لنا أن نقول على الله ما لا نعلم؛ بل علينا أن نتوقف فيما ورد على حسب ما ورد". [تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥ - ١٦].