وبعض الناس من المنافقين يعجبك -أيها الرسول- كلامه الفصيح الذي يريد به حظًّا من حظوظ الدنيا لا الآخرة، ويحلف مستشهدًا بالله على ما في قلبه من محبة الإسلام، وفي هذا غاية الجرأة على الله، وهو شديد العداوة والخصومة للإسلام والمسلمين.
قال القرطبي:" لما ذكر الذين قصرت همتهم على الدنيا - في قوله {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا}[البقرة: ٢٠٠]- والمؤمنين الذين سألوا خير الدارين ذكر المنافقين لأنهم أظهروا الإيمان وأسروا الكفر"(١).
فيما سبق من الآيات قسم الناس في الحج إلى قسمين؛ منهم من يقول:{ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق}[البقرة: ٢٠٠]؛ ومنهم من يقول:{ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة}[البقرة: ٢٠١]؛ وهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا؛ هنا قسم الناس أيضاً إلى قسمين: إلى مؤمن؛ وإلى منافق؛ فقال تعالى في المنافق: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)} [البقرة: ٢٠٤].
وقد اختلف أهل التفسير فيمن نزلت فيه هذه الآية (٢):
أحدها: قال السدي: "نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي - وهو حليفٌ لبني زُهره - وأقبل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فأظهر له الإسلام، فأعجبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك منه، وقال: إنما جئت أريد الإسلام، والله يعلم أنّي صادق! وذلك قوله: " ويشهد الله على ما في قلبه " ثم خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ بزرع لقوم من المسلمين وُحُمر، فأحرق الزرع، وعقر الحُمُرُ، فأنزل الله عز وجل:{وإذا تولى سعَى في الأرض ليُفسد فيها ويُهلك الحرْثَ والنسل}. وأما {ألد الخصام} فأعوجُ الخصام، وفيه نزلت:{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ}[الهمزة: ١] ونزلت فيه: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ} إلى {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ}[القلم: ١٠ - ١٣] "(٣).
والثاني: أنها نزلت في قوم من أهل النفاق تكلموا في السرية التي أصيبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرَّجيع.
قال ابن عباس:"لما أصيبت هذه السرية أصحاب خُبَيْب بالرجيع بين مكة والمدينة، فقال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا! لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أدَّوْا رسالة صاحبهم! فأنزل الله عز وجلّ في ذلك من قول المنافقين، وما أصاب أولئك النفر في الشهادة والخير من الله: " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا " أي: ما يُظهر بلسانه من الإسلام " ويشهد الله على ما في قلبه " أي من النفاق - " وهو ألد الخصام " أي: ذو جدال إذا كلمك وراجعك " وإذا تولى " - أي: خرج من عندك " سعىَ في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحَرثَ والنسل والله لا يحب الفساد " - أي: لا يحبّ عمله ولا يرضاه " وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسْبُه جهنم ولبئس المهاد ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " الذين شروا أنفسهم لله بالجهاد في سبيل الله والقيام بحقه، حتى هلكوا على ذلك - يعني هذه السرّية"(٤).
(١) تفسير القرطبي: ٣/ ١٤. (٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٢ - ٢٣٣، وأسباب النزول: ٦٥. (٣) تفسير الطبري (٣٩٦١): ص ٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠. (٤) تفسير الطبري (٣٩٦٢): ص ٤/ ٢٣٠ - ٢٣١.