للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الشيخ السعدي: " أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس، من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن، والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفا عندهم، وهو رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف، والسعي، والمبيت بـ "منى "ليالي التشريق وتكميل باقي المناسك" (١).

وقد اختلف أهل التفسير في المعني بالأمر بالإفاضة من حيث أفاض الناس؟ ومن {النَّاسُ} الذين أمروا بالإفاضة، وفيه قولان (٢):

أحدهما: : أنها نزلت في قريش، وكانوا يسمون الحمس، لا يخرجون من الحرم في حجهم، ويقفون مزدلفة، ويقولون نحن من أهل الله، فلا نخرج من حرم الله، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، وهي موقف إبراهيم عليه السلام، فأنزل الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} يعني جميع العرب، وهذا قول عائشة (٣)، وابن عباس (٤)، وعروة (٥)، ومجاهد (٦)، وقتادة (٧)، والسدي (٨)، والربيع (٩)، وعبدالله بن أبي نجيح (١٠).

والثاني: أنها أمر لجميع الخلق من قريش وغيرهم، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، يعني بالناس إبراهيم، وقد يعبر عن الواحد باسم الناس، قال الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: ١٧٣] وكان القائل واحداً، وهو نعيم بن مسعود الأشجعي، وهذا قول الضحاك (١١).

والقول الأول أصح (١٢)، أي: " أنه عنى بهذه الآية قريش ومن كان متحمسا معها من سائر العرب، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله" (١٣).

قال ابن حجر: " الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روى الترمذي (١٤) وغيره (١٥) من طريق يزيد بن شيبان (١٦) قال: ... كنا وقوفاً بعرفة فأتانا ابن مربع (١٧) فقال: "إني رسول الله إليكم، يقول لكم: كونوا على مشاعركم فإنكم من إرث إبراهيم ... الحديث ولا يلزم من ذلك أن يكون هو المراد خاصة بقوله: {مِن حَيثُ أَفَاضَ النَّاس} بل هو على الأعم من ذلك، والسبب فيه ما حكته عائشة-رضي الله عنها (١٨) " (١٩).

وذكروا لـ {ثُمَّ} في قوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: ١٩٩]، وجهين (٢٠):

أحدهما: ما قاله الضحاك من أن معناه: "ثم أفيضوا فانصرفوا راجعين إلى منى من حيث أفاض إبراهيم خليلي من المشعر الحرام، وسلوني المغفرة لذنوبكم، فإني لها غفور، وبكم رحيم" (٢١).

والثاني: {ثم أفيضوا} من عرفة إلى المشعر الحرام، فإذا أفضتم إليه منها، فاذكروا الله عنده كما هداكم.

وإن لأهل العلم في الإفاضة المذكورة في قوله-عز وجل-: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} قولان:

أحدهما: أنها الإفاضة من عرفة إلى مزدلفة، وقال به: عائشة (٢٢)، وابن عباس (٢٣)، وعروة (٢٤)، ومجاهد (٢٥)، وقتادة (٢٦)، والسدي (٢٧)، والربيع (٢٨)، وغيرهم (٢٩).

والثاني: أنها الإفاضة من مزدلفة إلى منى. قال به الضحاك (٣٠) وقوم معه (٣١).

والراجح: قول الضحاك. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ} [البقرة: ١٩٩]، أي و"اطلبوا المغفرة من الله" (٣٢).

قال الصابوني: " أي استغفروا الله عمّا سلف منكم من المعاصي" (٣٣).

قال ابن عثيمين: " والمغفرة ستر الذنب، والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر الذي يوضع على الرأس عند القتال لتوقي السهام؛ وليست المغفرة مجرد الستر؛ بل هي ستر، ووقاية" (٣٤).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: ١٩٩]؛ أي: " فإن الله عظيم المغفرة واسع الرحمة" (٣٥).


(١) تفسير السعدي: ١/ ٩٢.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٧، وتفسير الطبري: ٤/ ١٨٤ وما بعدها، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٦١، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢١٤، مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ٣٢٨، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٤٢٧، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٠٢، وغيرها.
(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣١): ص ٤/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٣): ص ٤/ ١٨٦.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٢): ص ٤/ ١٨٥.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٥): ص ٤/ ١٨٦ - ١٨٧.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٧): ص ٤/ ١٨٧.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٨): ص ٤/ ١٨٧.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٩): ص ٤/ ١٨٧ - ١٨٨.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣٨٤٠): ص ٤/ ١٨٩.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٣٨٤٢): ص ٤/ ١٨٩.
(١٢) وقد اختاره جماعة من أهل العلم كالطبري في جامع البيان: ١/ ١٩٠، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٢٤، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨، وأبي حيان في البحر المحيط: ٢/ ٩٩، وابن التين كما في عمدة القاري للعيني: ١٠/ ٥، والألوسي في روح المعاني: ٢/ ٨٩.
(١٣) تفسير الطبري: ٤/ ١٩٠.
(١٤) جامع الترمذي: ٣/ ٢٢١ رقم: ٨٨٣ وقال: (حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي: ١/ ٢٦٢ رقم: ٧٠٠.
(١٥) كأبي داود في سننه: ٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠ رقم: ١٩١٩، والنسائي في المجتبى-بشرح السيوطي وحاشية السندي-: ٥/ ٢٥٥.
(١٦) هو يزيد بن شيبان الأزدي، ويقال: الدئلي، صحابي، انظر: الإصابة لابن حجر: ٣/ ٦٢٢، تقريب التهذيب له أيضاً: ١٠٧٦.
(١٧) هو: زيد بن مِرْبَع بن قيظي، صحابي أكثر ما يجيء مبهماً، وقيل اسمه يزيد، وقيل: عبد الله، انظر: الإصابة لابن حجر: ٣/ ٦٢٤، تقريب التهذيب له أيضاً: ٣٥٦.
(١٨) انظر: حديثها في البخاري-فتح-: ٣/ ٦٠٢ رقم: ١٦٦٥، و ٨/ ٣٥ رقم: ٤٥٢٠ - وتقدم في الهامش: ٣، ص: ٥٠٣.
(١٩) الفتح: ٣/ ٦٠٣ - ٦٠٤.
(٢٠) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٩٢ - ١٩٤.
(٢١) انظر: تفسير الطبري (٣٨٤٢): ص ٤/ ١٨٩.
(٢٢) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣١): ص ٤/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٢٣) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٣): ص ٤/ ١٨٦.
(٢٤) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٢): ص ٤/ ١٨٥.
(٢٥) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٥): ص ٤/ ١٨٦ - ١٨٧.
(٢٦) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٧): ص ٤/ ١٨٧.
(٢٧) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٨): ص ٤/ ١٨٧.
(٢٨) انظر: تفسير الطبري (٣٨٣٩): ص ٤/ ١٨٧ - ١٨٨.
(٢٩) انظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ١٨٤ - ١٨٩، أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٠٢، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٦١، أسباب النزول للواحدي-تحقيق الحميدان: ٦٤ - ٦٥، وغيرهم. وقد عزاه البغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٣٠ لأكثر أهل التفسير، ونسبه ابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٣٩ للجماعة، وحكى الإجماع عليه ابن جرير في جامع البيان: ٤/ ١٩٠، وقال الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٢٤ عنه: (هو الصحيح لاتفاق السلف عليه، والضحاك لا يزاحم به هؤلاء فهو قول شاذ). ونص على أنه المراد-سوى من سبق-جماعة من المفسرين كالسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١٩٤، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٤٩، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٢٨، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٠٩، وأبي السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٠٩ وغيرهم.
(٣٠) انظر: تفسير الطبري (٣٨٤٢): ص ٤/ ٢٨٩.
(٣١) انظر: مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ٣٢٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٩٩ وغيرها. وقد جعل هذا القول ظاهر القرآن جماعة منهم ابن جرير في جامع البيان: ٤/ ١٩٠ - ١٩١ وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٩٩، والسمين في الدر المصون: ١/ ٤٩٦ وصديق خان في فتح البيان: ١/ ٤٠٨ وابن عاشور في التحرير والتنوير: ٢/ ٢٤٤.
(٣٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٨. [بتصرف بسيط].
(٣٣) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.
(٣٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٨.
(٣٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>