للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والثاني: أنه يعود على الرسول. وذلك كناية عن غير مذكور.

والثالث: أنه يعود على الهدى. اختاره القرطبي (١).

قال ابن عثيمين: " وكل ذلك محتمل؛ وكل ذلك متلازم؛ فالهدى جاء من القرآن، ومن النبي صلى الله عليه وسلم" (٢).

و{الضَّالِّينَ}: "يشمل الضال عن جهل؛ والضال عن علم؛ فالضال عن جهل: الذي لم يعلم بالحق أصلاً؛ والضال عن علم: الذي ترك الطريق الذي ينبغي أن يسلكه وهو الرشد؛ والعرب من قبل هذا الدين ضالون؛ منهم من كان ضالاً عن جهل؛ ومنهم من كان ضالاً عن علم؛ فمثلاً قريش لا تفيض من عرفة؛ وإنما تقف يوم عرفة في مزدلفة؛ قالوا: لأننا نحن أهل الحرم؛ فلا نخرج عنه؛ فكانوا يقفون في يوم عرفة في مزدلفة، ولا يفيضون من حيث أفاض الناس؛ وإذا جاء الناس وباتوا فيها خرجوا جميعاً إلى منى؛ وهذا من جهلهم، أو عنادهم" (٣). وفي معنى (إنْ)، و (اللام) في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: ١٩٨]، وجهان (٤):

أحدهما: {إن} بمعنى (ما)، و (اللام)، في {لمن} بمعنى (إلا)، (٥)، كما قال الشاعر (٦):

ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة الرحمن

والمعنى: وما كنتم من قبل هداية الله إياكم لما هداكم له من ملة خليله إبراهيم التي اصطفاها لمن رضي عنه من خلقه إلا من الضالين.

والثاني: توجيه {إنْ} إلى (قد).

والمعنى: واذكروا الله أيها المؤمنون كما ذكركم بالهدى، فهداكم لما رضيه من الأديان والملل، وقد كنتم من قبل ذلك من الضالين (٧).

ومن ذلك قوله تعالى {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [الشعراء: ١٨٦]، أي: " أي: وما نظنك إلا من الكاذبين" (٨).

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، خلافا للفقراء، أما إن الحج دون تجارة أفضل، لعروها عن شوائب الدنيا وتعلق القلب بغيرها.

٢ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان في حال بيعه، وشرائه أن يكون مترقباً لفضل الله لا معتمداً على قوته، وكسبه؛ لقوله تعالى: {أن تبتغوا فضلاً من ربكم}.

٣ - ومنها: ظهور منة الله على عباده بما أباح لهم من المكاسب؛ وأن ذلك من مقتضى ربوبيته سبحانه وتعالى، حيث قال تعالى: {فضلاً من ربكم}.


(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٧.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٤.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٤.
(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٨٣ - ١٨٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
(٥) هذا توجيه الكوفيين انظر المعنى لابن هشام ١: ١٩١ وغيره.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٨٣ - ١٨٤، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
(٨) تفسير البقاعي: ١/ ٢٣٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>