١٢ - ومنها: البعد حال الإحرام عن كل ما يشوش الفكر، ويشغل النفس؛ لقوله تعالى: {ولا جدال في الحج}؛ ومن ثم يتبين خطأ أولئك الذين يزاحمون على الحجر عند الطواف؛ لأنه يشوش الفكر، ويشغل النفس عما هو أهم من ذلك.
١٣ - ومنها: الحث على فعل الخير؛ لأن قوله تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} يدل على أنه سيجازي على ذلك، ولا يضيعه؛ قال تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} [طه: ١١٢].
١٤ - ومنها: أن الخير سواء قلّ، أو كثر، فإنه معلوم عند الله؛ لقوله تعالى: {من خير}؛ وهي نكرة في سياق الشرط؛ والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم.
١٥ - ومنها: عموم علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله تعالى: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله}.
١٦ - ومنها: الحث على التزود من الخير؛ لقوله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}.
١٧ - ومنها: أنه ينبغي للحاج أن يأخذ معه الزاد الحسيّ من طعام، وشراب، ونفقة، لئلا يحتاج في حجه، فيتكفف الناس؛ لقوله تعالى: {وتزودوا}.
١٨ - ومنها: أن التقوى خير زاد، كما أن لباسها خير لباس؛ فهي خير لباس؛ لقوله تعالى: {ولباس التقوى ذلك خير} [الأعراف: ٢٦]؛ وهي خير زاد؛ لقوله تعالى: {فإن خير الزاد التقوى}.
١٩ - ومنها: وجوب تقوى الله؛ لقوله تعالى: {واتقون}.
٢٠ - ومنها: أن أصحاب العقول هم أهل التقوى؛ لقوله تعالى: {واتقون يا أولي الألباب}.
٢١ - ومنها: أنه كلما نقص الإنسان من تقوى الله كان ذلك دليلاً على نقص عقله - عقل الرشد؛ بخلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت من ناقصات عقل، ودين» (١)؛ فإن المراد بنقص العقل هنا عقل الإدراك؛ فإن مناط التكليف عقل الإدراك؛ ومناط المدح عقل الرشد؛ ولهذا نقول: إن هؤلاء الكفار الأذكياء الذين هم في التصرف من أحسن ما يكون؟ نقول: هم عقلاء عقول إدراك؛ لكنهم ليسوا عقلاء عقول رشد؛ ولهذا دائماً ينعى الله عليهم عدم عقلهم؛ والمراد عقل الرشد الذي به يرشدون.
القرآن
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)} [البقرة: ١٩٨]
التفسير:
ليس عليكم حرج في أن تطلبوا رزقًا من ربكم بالربح من التجارة في أيام الحج. فإذا دفعتم بعد غروب الشمس راجعين من "عرفات" -وهي المكان الذي يقف فيه الحجاج يوم التاسع من ذي الحجة- فاذكروا الله بالتسبيح والتلبية والدعاء عند المشعر الحرام -"المزدلفة"-، واذكروا الله على الوجه الصحيح الذي هداكم إليه، ولقد كنتم من قبل هذا الهدى في ضلال لا تعرفون معه الحق.
لما أمر الله بالتزود، وبيَّن أن خير الزاد التقوى، وأمر بالتقوى، قد يقول قائل: إذا اتجرت أثناء حجي صار عليّ في ذلك إثم؛ ولهذا تحرج الصحابة من الاتجار في الحج؛ فبين الله عزّ وجلّ أن ذلك لا يؤثر، وأنه ليس فيه إثم.
في سبب نزول الآية قولان:
أحدهما: أخرج الواحدي عن أبي أمامة التيمي قال: "سألت ابن عمر فقلت: إنا قوم نكرى في هذا الوجه، وإن قوما يزعمون أنه لا حج لنا قال: ألستم تلبون؟ ألستم تطوفون؟ ألستم تسعون بين الصفا والمروة؟ ألستم ألستم؟
(١) أخرجه البخاري ص ٢٦، كتاب الحيض، باب ٦: ترك الحائض الصوم، حديث رقم ٣٠٤، وأخرجه مسلم ص ٦٩٢، كتاب الإيمان، باب ٣٤: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، حديث رقم ٢٤١ [١٣٢] ٧٩.