قال القرطبي: " (الاعتداء) هو التجاوز، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: ٢٢٩] أي يتجاوزها، فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك" (١).
والثاني: أن يكون بمعنى (العدو) الذي هو شدٌّ ووثوب، من قول القائل: (عدا الأسد على فَريسته)، فيكون معنى الكلام: فمن عَدا عليكم - أي فمن شد عليكم وَوثب - بظلم، فاعدوا عليه - أي فشُدُّوا عليه وثبُوا نحوَه - قصاصًا لما فعل عليكم لا ظلمًا. ثم تُدخل (التاء) في (عدا)، فتقال: (افتعل) مكان (فعل)، كما يقال: اقترب هذا الأمر، بمعنى (قرب)، واجتلب كذلك، بمعنى (جَلب) وما أشبه ذلك.
واختلف في (الباء) في قوله تعالى: {بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}] ١٩٤]، على وجهين (٢):
أحدهما: أنها زائدة، إن التقدير: فاعتدوا عليه مثل ما اعتدى عليكم؛ على أن تكون «مثل» هنا مفعولاً مطلقاً - أي عدواناً، أو اعتداءً مثل اعتدائه -.
والثاني: أنها ليست زائدة.
والقول الثاني هو الصواب، أي: أنّها أصلية، وأن المعنى: "اعتدوا عليه بمثله؛ فالباء للبدل؛ بحيث يكون المثل مطابقاً لما اعتدى عليكم به في هيئته، وفي كيفيته، وفي زمنه، وفي مكانه؛ فإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الحرم فاقتلوه؛ وإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الأشهر الحرم فقاتلوه؛ فتكون الباء هنا دالة على المقابلة، والعوض" (٣).
قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} [البقرة: ١٩٤]، "أي راقبوا الله في جميع أعمالكم وأفعالكم" (٤).
قال ابن عثيمين: أي "اتخذوا وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ وفي هذا المقام اتقوا الله فلا تتعدَّوا ما يجب لكم من القصاص؛ لأن الإنسان إذا ظُلِم فإنه قد يتجاوز، ويتعدى عند القصاص" (٥).
قال صاحب الكشاف: أي: " في حال كونكم منتصرين ممن اعتدى عليكم، فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم" (٦).
قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: ١٩٤]، أي: " واعلموا أن الله مع المتقين بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة" (٧).
قال المراغي: أي: "واعلموا أن الله مع المتقين بالمعونة والتأييد، والنصر والتمكين، والغلبة لهم على أعدائهم تأييدا لدينه وإعلاء لكلمته" (٨).
قال البيضاوي: " فيحرسهم ويصلح شأنهم" (٩).
قال ابن عثيمين: " والمراد به العلم مع الاعتقاد" (١٠)، أي اعلموا واعتقدوا جازما.
قال الطبري: {المتقين}: أي: "الذين يتقونه بأداء فَرائضه وتجنب محارمه" (١١).
الفوائد:
(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٦٠.
(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٦.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٦.
(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١١٣.
(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٦.
(٦) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٧.
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٣.
(٨) تفسير المراغي: ٢/ ٩٢.
(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٨.
(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٨٦.
(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٨٢.