قال الماوردي: " {وَتُدْلُوا بِهَآ إِلَى الْحُكَّامِ}، مأخوذ من إدلاء الدلو إذا أرسلته، ويحتمل وجهاً ثانياً معناه: وتقيموا الحجة بها عند الحاكم، من قولهم: قد أدلى بحجته إذا قام بها" (١).
وقال الواحدي: " وأصل (الإدلاء) في اللغة: إرسال الدلو وإلقاؤها في البئر، قال الله تعالى: {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} [يوسف: ١٩]، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاءً، ومنه يقال للمحتج: أدلى بحجته، كأنه يرسلها ليصل إلى مراده إدلاءَ المستقى الدلوَ ليصل إلى مطلوبه من الماء، ويقال: فلان يُدلي إلى الميت بقرابة ورَحِم، إذا كان يَمت إليه من هذا؛ لأنه يطلب الميراث بتلك القرابة طلب المستقي الماء بالدلو" (٢).
وفي قوله تعالى: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: ١٨٨]، وجهان من الإعراب (٣):
أحدهما: أن يكون قوله: {وتُدْلوا} جزما عطفا على قوله: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}، أي: ولا تدلوا بها إلى الحكام، وقد ذُكر أن ذلك كذلك في قراءة أُبَيٍّ بتكرير حرف النهي: {وَلا تدلوا بها إلى الحكام}.
قال الزمخشري: " و {تدلوا}: مجزوم، داخل في حكم النهى" (٤).
والثاني: النصب على الصرْف، أي: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وأنتم تدلون بها إلى الحكام، كما قال الشاعر (٥):
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
يعني: لا تنه عن خلق وأنتَ تأتي مثله
قال الطبري: "وهو أنْ يكون في موضع جزم على ما ذُكر في قراءة أبيّ أحسن منه أن يكون نَصبا" (٦).
قوله تعالى: {لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ} [البقرة: ١٨٨]، "أي ليعينوكم على أخذ طائفة من أموال الناس بالباطل" (٧).
قد يقول قائل: إن في قوله تعالى: {لتأكلوا} إشكالاً؛ لأنه تعالى قال: {ولا تأكلوا}، ثم قال تعالى: {لتأكلوا} كيف يعلل الحكم بنفس الحكم؟
فنقول: إن اللام هنا ليست للتعليل؛ اللام هنا للعاقبة - يعني أنكم إذا فعلتم ذلك وقعتم في الأكل - أكل فريق من أموال الناس -؛ وتأتي اللام للعاقبة، كما في قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} [القصص: ٨]: فآل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض؛ ولكن كانت هذه العاقبة (٨).
و{فَرِيقًا}: "يعني قطعة وطائفة (٩)، "وسمي فريقاً؛ لأنه يُفْرَق عن غيره؛ فهذا فريق من الناس، يعني طائفة منهم افترقت، وانفصلت" (١٠).
(١) النكت والعيون: ١/ ٢٤٨.
(٢) التفسير البسيط: ٣/ ٦١٣ - ٦١٤، وانظر: معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٥٨، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٢١٤ (دلو)، والمفردات: ١٧٨، والتفسير الكبير: ٥/ ١١٨.
(٣) انظر: معاني القرآن للفراء ١/ ١١٥، وتفسير الطبري: ٣/ ٥٥٢.
(٤) تفسير الكشاف: ١/ ٢٣٣.
(٥) هذا من الأبيات التي رويت في عدة قصائد. كما قال صاحب الخزانة ٣: ٦١٧. نسبه سيبويه ١: ٤٢٤ للأخطل، وهو في قصيدة للمتوكل الليثي، ونسب لسابق البربري، وللطرماح، ولأبي الأسود الدؤلي قصيدة ساقها صاحب الخزانة (٣: ٦١٨)، وليست في ديوانه الذي نشره الأستاذ محمد حسن آل ياسين في (نفائس المخطوطات) طبع مطبعة المعارف ببغداد سنة ١٣٧٣ هـ (١٩٥٤ م)، وهذا الديوان من نسخة بخط أبي الفتح عثمان بن جنى. ولم يلحقها الأستاذ الناشر بأشتات شعر أبي الأسود التي جمعها.
(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٥٥٢.
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.
(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٥.
(٩) الدر المنثور: ١/ ٤٨٩.
(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٥.