للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال القرطبي: " الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق. فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك. ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة، على ما يأتي بيانه في سورة "النساء". وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما منهيا ومنهيا عنه، كما قال: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: ٨٥]. وقال قوم: المراد بالآية {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: ٢٩] أي في الملاهي والقيان والشرب والبطالة، فيجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين" (١).

وفي الآية إن المراد بالأكل ما هو أعم منه، فيشمل الانتفاع بغير الأكل من الملبوسات، والمفروشات، والمسكونات، والمركوبات؛ لكنه خَص الأكل؛ لأنه أقوى وجوه الانتفاع؛ الإنسان ينتفع في المال ببناء مسكن له وهو منفصل عنه؛ ويفترش الفراش فينتفع به وهو منفصل عنه إلا أنه ألصق به من البيت؛ ويلبس ثوباً فينتفع به وهو منفصل عنه؛ إلا أنه ألصق به من الفراش؛ والإنسان يأكل الأكل فينتفع وهو متصل ممازج لعروقه؛ فكان أخص أنواع الانتفاع، وألصقها بالمنتفع؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم - رحمهم الله - أن الإنسان إذا كان عنده مال مشتبه ينبغي أن يصرفه في الوقود؛ لا يصرفه في الأكل والشرب يتغذى بهما البدن وهما أخص انتفاع بالمال؛ فإذا كان الله تعالى يقول: {لا تأكلوا أموالكم} وهو أخص الانتفاع، والذي قد يكون الإنسان في ضرورة إليه: لو لم يفعل لهلك، لو لم يأكل لمات فكيف بغيره! ! ! وقوله تعالى {بَيْنَكُمْ} أي في العقود من إجارات، وبيوع، ورهون، وغيرها؛ لأن هذه تقع بين اثنين؛ فتصدق البينية فيها (٢).

و(الباطل): "كل ما أخذ بغير حق" (٣).

قال الواحدي: " معنى (الباطل) في اللغة: الذاهب الزائل، يقال: بَطَلَ الشيء يبطُل بُطْلًا وبُطولًا فهو باطل، ويجمع الباطل: بَوَاطل، وأَبَاطِيل جمع أُبْطُولَة، ويقال: بَطَل الأجيرُ يَبْطُلُ بِطَالَة، إذا تَعَطَّل واتبع اللهو، ومثله: تبطّل" (٤).

قال القرطبي: " الباطل في اللغة: الذاهب الزائل، يقال: بطل يبطل بطولا وبطلانا، وجمع الباطل بواطل. والأباطيل جمع البطولة، وتبطل أي اتبع اللهو. وأبطل فلان إذا جاء بالباطل. وقوله تعالى: {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ} [فصلت: ٤٢] قال قتادة: هو إبليس، لا يزيد في القرآن ولا ينقص. وقوله: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} [الشورى: ٢٤] يعني الشرك والبطلة: السحرة" (٥).

ويحتمل قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [البقرة: ١٨٨]، وجهان من التفسير (٦):

أحدهما: بالغصب والظلم.

والثاني: بالقمار والملاهي.

قوله تعالى: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: ١٨٨]، "أي تدفعوها إِلى الحكام رشوة" (٧).

قال الطبري: أي " وتخاصموا بها يعني: بأموالكم إلى الحكام" (٨).


(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٣٨.
(٢) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٤.
(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٦١٢، وانظر: تهذيب اللغة" ١/ ٣٥٠ (بطل)، والصحاح: ٤/ ١٦٣٥، والمفردات: ٦١، واللسان: ١/ ٣٠٢ (بطل).
(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٣٩.
(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٤٨.
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.
(٨) تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>