للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الوجه الأول: أن «أل» في {المساجد} للعهد الذهني؛ فتكون دالة على أن المراد بـ {المساجد} المساجد المعهودة التي تقام فيها الجماعة.

الوجه الثاني: أنه لو جاز الاعتكاف في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة للزم من ذلك أحد أمرين: إما ترك صلاة الجماعة - وهي واجبة -؛ وإما كثرة الخروج إليها - وهذا ينافي الاعتكاف، أو كماله -.

٣٠ - ومن فوائد الآية: النهي عن مباشرة النساء حال الاعتكاف.

٣١ - ومنها: أن الجماع مبطل للاعتكاف؛ وجه كونه مبطلاً أنه نهي عنه بخصوصه؛ والشيء إذا نهي عنه بخصوصه في العبادة كان من مبطلاتها.

٣٢ - ومنها: ما استنبطه بعض أهل العلم أن الاعتكاف يكون في رمضان، وفي آخر الشهر؛ لأن الله ذكر حكمه عقب آية الصيام؛ وهذا هو الذي جاءت به السنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا في العشر الأواخر من رمضان حين قيل له: «إن ليلة القدر في العشر الأواخر»؛ وكان اعتكافه في العشر الأول، والأوسط يتحرى ليلة القدر؛ فلما قيل له: «إنها في العشر الأواخر» ترك الاعتكاف في العشر الأول، والأوسط.

٣٣ - ومنها: أن أوامر الله حدود له؛ وكذلك نواهيه؛ لقوله تعالى: {تلك حدود الله}.

٣٤ - ومنها: أنه ينبغي البعد عن المحارم؛ لقوله تعالى: {فلا تقربوها}؛ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، وعرضه؛ ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه؛ ألا وإن لكل ملِك حمى؛ ألا وإن حمى الله محارمه» (١).

٣٥ - ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يبين للناس الآيات الكونية، والشرعية؛ لقوله تعالى: {كذلك يبين الله آياته للناس}؛ والآيات الكونية هي المخلوقات؛ فكل المخلوقات ذواتها، وصفاتها، وأحوالها من الآيات الكونية، كما قال تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر} [فصلت: ٣٧]، وقال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً} [الروم: ٢١]، وقال تعالى: {ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} [الروم: ٢٠] ... إلخ؛ وكانت المخلوقات آية لله؛ لأنه لا أحد من المخلوق يصنع مثلها.

والآيات الشرعية: هي ما أنزله الله تعالى على رسله، وأنبيائه من الوحي؛ فإنها آيات شرعية تدل على كمال منزلها سبحانه وتعالى في العلم، والرحمة، والحكمة، وغير ذلك مما تقتضيه أحكامها، وأخبارها؛ وجه ذلك أنك إذا تأملت أخبارها وجدتها في غاية الصدق، والبيان، والمصلحة، كما قال تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن} [يوسف: ٣]؛ فأحسن الأخبار أخبار الوحي: القرآن، وغيره؛ وأصلحها للخلق قصصها، كما قال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف: ١١١]؛ وإذا تأملت أحكامها وجدتها أحسن الأحكام، وأصلحها للعباد في معاشهم، ومعادهم، كما قال تعالى: {ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} [المائدة: ٥٠]؛ ولو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل الأحكام التي أنزلها الله على رسوله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً؛ بهذا تكون آية على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى.

٣٦ - ومن فوائد الآية: الرد على أهل التعطيل، وغيرهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه في أسماء الله، وصفاته؛ وجه ذلك أنهم لما قالوا: المراد بـ «اليد» النعمة، أو القوة؛ والمراد بـ «الاستواء» الاستيلاء؛ والمراد بكذا كذا - وهو خلاف ظاهر اللفظ، ولا دليل عليه - صار القرآن غير بيان للناس؛ لأنه ما دام أن البيان خلاف ما ظهر فلا بيان.


(١) أخرجه البخاري بدون ذكر اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم العشر الأول ص ١٥٧، كتاب فضل ليلة القدر، باب ١: فضل ليلة القدر، حديث رقم ٢٠١٦، وأخرجه مسلم تاماً ص ٨٦٧، كتاب الصيام، باب ٤٠: فضل ليلة القدر والحث على طلبها ... ، حديث رقم ٢٧٧١ [٢١٥] ١١٦٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>