أخذ بعض أهل العلم من هذا استحباب السُّحور، وتأخيره؛ وهذا الاستنباط له غور؛ لأنه يقول: إنما أبيح الأكل والشرب ليلة الصيام رفقاً بالمكلف؛ وكلما تأخر إلى قرب طلوع الفجر كان أرفق به؛ فما دام نسخ التحريم من أجل الرفق بالمكلف فإنه يقتضي أن يكون عند طلوع الفجر أفضل منه قبل ذلك؛ لأنه أرفق؛ وهذا استنباط جيد تعضده الأحاديث - مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«تسحروا فإن في السَّحور بركة» -؛ ففيه بركة لكونه معيناً على طاعة الله؛ وفيه بركة لأنه امتثال لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وفيه بركة لأنه اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وفيه بركة لأنه يغني عن عدة أكلات، وشرابات في النهار؛ وفيه بركة لأنه فصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب؛ فهذه خمسة أوجه من بركته.
١٥ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان لو طلع عليه الفجر وهو يجامع، ثم نزع في الحال فلا قضاء عليه، ولا كفارة؛ لأن ابتداء جماعه كان مأذوناً فيه؛ ولكن استدامته بعد أن تبين الفجر حرام، وعلى فاعله القضاء والكفارة، إلا أن يكون جاهلاً؛ وقد قيل: إنه إذا نزع في هذه الحال فعليه كفارة؛ لأن النزع جماع؛ لكنه قول ضعيف؛ إذ كيف نلزمه بالقضاء والكفارة مع قيامه بما يجب عليه - وهو النزع -.
١٦ - ومنها: جواز أن يصبح الصائم جنباً، لأن الله أباح الجماع حتى يتبين الفجر، ولازم هذا أنه إذا أخر الجماع لم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر؛ وقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح جنباً من جماع أهله، ثم يصوم (١).
١٧ - ومنها: جواز الأكل، والشرب، والجماع مع الشك في طلوع الفجر؛ لقوله تعالى:{حتى يتبين}؛ فإن تبين أن أكله، وشربه، وجماعه، كان بعد طلوع الفجر فلا شيء عليه.
١٨ - ومنها: رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل الصائم، ويشرب إلى طلوع الشمس؛ لقوله تعالى:{حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}؛ وكذلك رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل ويشرب إلى الغلس.
١٩ - ومن فوائد الآية: بيان خطأ بعض جهال المؤذنين الذين يؤذنون قبل الفجر احتياطاً - على زعمهم -؛ لأن الله تعالى أباح الأكل، والشرب، والجماع، حتى يتبين الفجر؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر»(٢)؛ وهو أيضاً مخالف للاحتياط؛ لأنه يستلزم أن يمتنع الناس مما أحل الله لهم من الأكل، والشرب، والجماع، وأن يقدِّم الناس صلاة الفجر قبل طلوع الفجر؛ وأيضاً فإنه يفتح باباً للمتهاون، حيث يعلم أنه أذن قبل الفجر فلا يزال يأكل إلى أمد مجهول، فيؤدي إلى الأكل بعد طلوع الفجر من حيث لا يشعر؛ ثم اعلم أن الاحتياط الحقيقي إنما هو في اتباع ما جاء في الكتاب، والسنة - لا في التزام التضييق والتشديد -.
٢٠ - ومن فوائد الآية: أنه لو أكل الإنسان يظن أن الفجر لم يطلع، ثم تبين أنه طلع فصيامه صحيح؛ لأنه قد أذن له بذلك حتى يتبين له الفجر؛ وما كان مأذوناً فيه فإنه لا يرتب عليه إثم، ولا ضمان، ولا شيء؛ ومن القواعد الفقهية المعروفة:«ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون»؛ وهذا هو ما تؤيده العمومات، مثل قوله تعالى:{ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}[البقرة: ٢٨٦]؛ وقوله تعالى:{ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم}[الأحزاب: ٥]؛ وتؤيده أيضاً نصوص خاصة في هذه المسألة نفسها - وهو فعل عدي بن حاتم رضي الله عنه، حيث كان يضع عقالين تحت وسادته أحدهما أبيض، والآخر أسود -؛
(١) أخرجه البخاري ص ١٥١، كتاب الصوم، باب ٢٥: اغتسال الصائم، حديث رقم ١٩٣١؛ وأخرجه مسلم ص ٨٥٥، كتاب الصيام، باب ١٣: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، حديث رقم ٢٥٨٩ [٧٥] ١١٠٩. (٢) أخرجه البخاري ص ٥٠، كتاب الأذان، باب ١١، أذان الأعمى إذا كان له من يخبره، حديث رقم ٦١٧، وأخرجه مسلم ص ٨٥٢، كتاب الصيام، باب ٨: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، حديث رقم ٢٥٣٦ [٣٦] ١٠٩٢.