والثاني: أنهم لباس يعني السكن لقوله تعالى: {وجعلنا الليل لباساً}[النبأ: ١٠] أي سكناً، وكما قال تعالى:{وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}[سورة الأعراف: ١٨٩]، وهذا قول ابن عباس (٣)، ومجاهد (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦).
و(اللباس) في اللغة تعني: "ما واريْتَ به جسَدَكَ"(٧). وهي مصدر قولك لبستُ الثوبَ ألبسُ، واللباس ما يُلبس، وكذلك الملبس، واللِبس بالكسر مثله، ولباس الرّجل: امرأته، وزوجها: لباسها (٨).
وقد لاحظ ابن فارس دلالة المخالطة، والمداخلة في مادة (لبس) إذْ قال: "اللام والباء والسين أصل صحيح واحد، يدلّ على مخالطة ومداخلة، من ذلك لبستُ الثوبَ ألبسهُ، وهو الأصل، ومنه تتفرع الفروع .... ومن الباب: اللباس، وهي امرأة الرّجل، والزّوج لباسها"(٩).
وهذه الدلالة هي التي فسر بها العلماء قوله تعالى:{هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}، إذْ المعنى: تلابسونهن وتخالطونهن بالمساكنة، وقيل أيضا: إنّما جعل كل واحد منهما لباساً للآخر لاعتناقهما، واشتمال كل واحد منهما على صاحبه في عناقه، شبه باللباس المشتمل عليه؛ أو لأنّ كل واحد منهما يستر على صاحبه، ويمنعه من الفجور (١٠).
وهذه الجملة مستأنفة مبينة لسبب الإحلال، وهو صعوبة الصبر على النّساء في هذا الوقت، فلو فُرض الصوم على الناس في الليل وهو وقت الاضطجاع لكان من الصعوبة الإمساك عن التقرب من النّساء، وفيه
(١) ديوانه: ٢٦، والمعاني الكبير: ٤٨٣، ومشكل القرآن: ١٠٨ وغيرها. من قصيدة له عجيبة، يرثى بها صديقه وحميمه نشيبة بن محرث، استفتحها متغزلا مشببًا بصاحبته أم عمرو، واسمها فطيمة، وقال قبل هذا البيت، يلوم نفسه على هجرها ويقول: فَإنَّكَ مِنْهَا والتَّعَذُّرَ، بَعْدَ مَا ... لَجِجْتَ، وشطَّتْ مِنْ فُطَيْمَةَ دَارُهَا كَنَعْتِ الَّتِي ظَلَّت تُسَبِّع سُؤْرَهَا ... وَقَالتْ: حَرَامٌ أنْ يرَجَّلَ جَارُهَا تبرَّأُ مِنْ دَم القَتِيل. . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يقول أنت في انتفاءك من حبها بعد اللجاجة فيه، كهذه المرأة التي قتلت قتيلا وحازت بزه، أي سلاحه، وأخفته. قال الأصمعي في خبر هذه المرأة: هذه امرأة نزل بها رجل فتحرجت أن تدهنه وترجل شعره، ثم جاء كلب فولغ في إنائها فغسلته سبع مرات. وذلك بعين الرجل، فتعجب منها ومن ورعها. فبينا هو كذلك، أتاها قوم يطلبون عندها قتيلا، فانتفلت من ذلك - أي أنكرت - وحلفت. ثم فتشوا منزلها، فوجدوا القتيل وسلاحه في بيتها ". يقول أنت كهذه المرأة، تجحد حب صاحبتك، وتظهر أنك قد كبرت وانتهيت عن الجهل والصبا، ولو فتش قلبك. لرأوا حبك لها لا يزال يتأجج ويشتعل. (٢) انظر تفسير الطبري: ٣/ ٤٩٠ - ٤٩١. (٣) انظر: تفسير الطبري (٢٩٣٤): س ٣/ ٤٩٢. (٤) انظر: تفسير الطبري (٢٩٣٠): س ٣/ ٤٩٢. (٥) انظر: تفسير الطبري (٢٩٣١): س ٣/ ٤٩٢. (٦) انظر: تفسير الطبري (٢٩٣٢): س ٣/ ٤٩٢. (٧) العين: مادة (لبس) ٧/ ٢٦٢. (٨) ينظر: الصحاح: مادة (لبس) ٢/ ١٣١، والبيت في ديوانه ٨١، وفيه: تداعتْ فكانَتْ عليه لِباساً (٩) مقاييس اللغة، مادة (لبس) ٥/ ٢٣٠. (١٠) ينظر: مجمع البيان ٢/ ١٤، والكشاف ١/ ٢٥٧، وإرشاد العقل السليم ١/ ٣١٧.