للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في أول الإسلام-، فتاب الله عليكم ووسَّع لكم في الأمر، فالآن جامعوهن، واطلبوا ما قدَّره الله لكم من الأولاد، وكلوا واشربوا حتى يتبَيَّن ضياء الصباح من سواد الليل، بظهور الفجر الصادق، ثم أتموا الصيام بالإمساك عن المفطرات إلى دخول الليل بغروب الشمس. ولا تجامعوا نساءكم أو تتعاطوا ما يفضي إلى جماعهن إذا كنتم معتكفين في المساجد؛ لأن هذا يفسد الاعتكاف وهو الإقامة في المسجد مدة معلومة بنيَّة التقرب إلى الله تعالى. تلك الأحكام التي شرعها الله لكم هي حدوده الفاصلة بين الحلال والحرام، فلا تقربوها حتى لا تقعوا في الحرام. بمثل هذا البيان الواضح يبين الله آياته وأحكامه للناس؛ كي يتقوه ويخشَوْه.

في سبب نزول الآية وجوه:

أحدها: ذكر أبو إسحاق عن البراء ابن عازب قال: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائمًا فنام قبل أن يفطر، لم يأكل إلى مثلها، وإن قَيْس بن صِرْمة الأنصاري كان صائمًا، وكان يومه ذاك يعمل في أرضه، فلما حَضَر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك. فغلبته عينُه فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائما قالت: خيبة لك! أنمت؟ فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إلى قوله: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ففرحوا بها فرحًا شديدًا" (١).

والثاني: أخرج البخاري من طريق أبي إسحاق: "سمعت البراء قال: لما نزل صومُ رمضان كانوا لا يقرَبُون النساء، رَمَضَان كُلّه، وكان رجَال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} " (٢).

قال الحافظ ابن حجر: " الآية نزلت في الأمرين معاً" (٣).

والثالث: أخرج الواحدي عن سهل بن سعد قال: "نزلت هذه الآية: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود}، ولم ينزل {من الفجر} وكان رجال إذا أرادو الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى بعد ذلك: {من الفجر} فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار" (٤).


(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٩٣٨): ص ٣/ ٤٩٥. وحديث البراء في كتاب الصيام في البخاري-فتح-: ٤/ ١٥٤ رقم: ١٩١٥ ونصه (كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي-ثم ذكر قصة قيس بن صرمة وأنه غشي عليه منتصف النهار من الجوع لكونه نام قبل أن يأكل-فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ).
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٥٠٨).
(٣) أي: الأكل والشرب ومباشرة النساء. انظر: فتح الباري: ٤/ ١٥٦ - ١٥٧. وقد نص على ذلك الطبري في جامع البيان: ٣/ ٤٩٣ ( ... كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين أحدهما: جماع النساء، والآخر: المطعم والمشرب في الوقت الذي كان حراماً ذلك عليهم)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣١٧، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ٨٩، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٧٥. أما نزول الآية في الأكل والشرب فواضح في قصة قيس بن صرمة المذكورة في حديث البراء قبل، وأما نزولها في الجماع فجاء من حديث ابن أبي ليلى عن معاذ أن عمر واقع امرأته بعد أن نامت ظناً منه أنها تتعلل بذلك، لكن ابن أبي ليلى لم يلق معاذاً كما أبان ذلك الحافظ في الفتح: ٨/ ٣١، وحديث ابن أبي ليلى عن معاذ في المسند-تحقيق الزين-: ١٦/ ٢٠٧ - ٢٠٩ رقم: ٢٢٠٢٣ وسق أبي داود: ١/ ٣٤٤ - ٣٤٧ رقم: ٥٠٦ والمستدرك للحاكم: ٢/ ٢٧٤ وغيرها، وظاهر صنيع الحافظ في الفتح: ٨/ ٣١ تحسينه له إذ قال: (وقد جاء عنه-أي: ابن أبي ليلى-فيه: حدثنا أصحاب محمد ... فكأنه سمعه من غير معاذ أيضاً، وله شواهد ... ) وحسنه أيضاً: الحميدان في تخريجه لأسباب نزول الواحدي: ٥٠ - ٥١. وانظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ٤٩٣ - ٥٠٣ إذ روى من طريق ابن عباس نحو ذلك، ومن طريق أصحاب مجاهد وعطاء وعكرمة والسدي وقتادة وثابت نحو ذلك، لكن لم يزد واحد منهم في القصة على تسمية عمر، إلا في حديث عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عند ابن جرير إذ ورد فيه: (وضع كعب بن مالك مثل ذلك)، انظر: الفتح: ٨/ ٣١. وأسباب النزول للواحدي-تخريج الحميدان: ٤٩ - ٥٢، لباب النقول للسيوطي: ٣٤ - ٣٥، العجاب في أسباب النزول لابن حجر: -تحقيق الأنيس-: ١/ ٤٣٦ - ٤٤٧.
(٤) أسباب النزول: ٥٢ - ٥٣. وأخرجه البخاري (فتح الباري: ٨/ ١٨٢ - ح: ٤٥١١) ومسلم (٢/ ٧٦٧ - ح: ١٠٩١) والطبراني (المعجم الكبير: ٦/ ١٧٩ - ح: ٥٧٩١) وابن جرير (٢/ ١٠٠) عن سهل بن سعد رضي الله عنه به. ويشهد له:
* ما أخرجه البخاري (فتح الباري: ٨/ ١٨٢ - : ٤٥٠٩) ومسلم (٢/ ٧٦٦ - ح: ١٠٩٠) وأبو داود (٢/ ٧٦٠ - ح: ٢٣٤٩) والترمذي (٥/ ٢١١ - ح: ٢٩٧١) والنسائي (جامع الأصول: ٢/ ٢٨) والطبراني (المعجم الكبير: ١٧/ ٧٩ - ح: ١٧٢ - ١٧٩) وابن جرير (٢/ ١٠٠) عن عدي بن حاتم قال:
لما نزلت: (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) قال له عدي بن حاتم: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين، عقالا أبيض وعقالا أسود أعرف الليل والنهار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن وسادتك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار". وهذا لفظ مسلم.
والراجح أن هذا ليس سبب نزول وإنما هو فهم خاطئ من عدي رضي الله عنه بعد نزول الآية بينه له النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم. [انظر: حاشية أسباب النزول: ٥٢].

<<  <  ج: ص:  >  >>