القول الثاني (١): أن الصوم أفضل لهما، وإلى هذا ذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣).
(١) استدل أصحاب القول الثاني القائلون بأفضلية الصوم بالأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: { ... فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة الآية رقم ١٨٤]. وجه الاستدلال: أن الله تعالى قال: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} (فبين أن الصيام خير لمن يقدر عليه دون مشقة (انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٩٠، وفتح القدير لابن الهمام ٢/ ٣٥١). ويمكن أن يناقش وجه الاستدلال: بأن الآية محمولة على أنها منسوخة، وأن هذا الحكم عام لمن يطيق الصيام؛ فهو مخير بين الصيام أو الفطر مع الفدية ثم نسخ الحكم، أو أنه محمول على عدم وجود المشقة المبيحة وهذا خارج النزاع إذ إن مسألتنا في المسن الذي شق عليه الصوم. ٢ - ... ما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه - ... قال: كنا نغزو مع رسول الله – رضي الله عنه - ... في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن» (أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية: ٤٣٣ برقم: ١١١٦). وجه الاستدلال: قال النووي -رحمه الله تعالى-: «وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم عن إطاقة بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة» (صحيح مسلم بشرح النووي ٤/ ٢٥٠). ٣ - حديث أنس – رضي الله عنه - ... قال سئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ... عن الصوم في السفر فقال: «من أفطر فرخصة ومن صام فالصوم أفضل» (أخرجه المقدسي: الأحاديث المختارة: ٦/ ٢٩٠ – ٢٩١ برقم: ٢٣٠٧، وقال: «إسناده صحيح»، وكنز العمال ٨/ ٥٠٥، قال الألباني –رحمه الله تعالى-: «الصواب في هذا الحديث الوقف وأنه شاذ ضعيف مرفوعاً، سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم ٩٣٢). وجه الاستدلال: بأن الحديث دل على أن الأفضل الصيام لكونه عزيمة والفطر رخصة فالإتيان بالعزيمة أفضل من الرخصة. (انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ٤/ ٢٥٠، وإعلاء السنن ٩/ ١٤٨، والحاوي الكبير ٣/ ٣٠٥، وفتح القدير ٢/ ٣٥١). ويمكن أن يناقش وجه الاستدلال: بأن الحديث ورد حال السفر، وأنه رُخِّصَ للمسافر الفطر والعلة في الفطر للمسافر هي: السفر وليست المشقة، ولذا استوى الأمران من حيث إباحة الفطر والصوم وترجح الصوم إما لكونه العزيمة أو لتحقق القوة وعدم الحاجة للفطر وهي المشقة، أما مسألتنا فهي الفطر للمسن لوجود المشقة فالعلة هي المشقة وقد وجد ذلك فكان الأفضل له الفطر لكونه الأيسر المباح له لما سبق من أدلة القول الأول كما أن المشقة إذا تحققت للمسافر فالفطر أفضل لما ثبت من أحاديث صحيحة نهى فيها النبي – صلى الله عليه وسلم - ... عن الصيام في السفر كقوله – صلى الله عليه وسلم - ... «ليس من البر الصوم في السفر» (أخرجه البخاري: كتاب: الصوم، باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن ظل عليه واشتد الحر: «ليس من البر الصوم في السفر»: ٣٦٩ برقم: ١٩٤٦، ومسلم: كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية إذا كان سفره مرحلتين فأكثر: ٤٣٢ برقم: ١١١٥)، ولكن كل هذا ورد في السفر وليس في المريض وكبير السن. ٤ - ... أن المريض والمسافر إما أن يصوما في رمضان أو في غيره، ورمضان أفضل الوقتين فكان الصيام أفضل من الفطر (انظر: فتح القدير ٢/ ٣٥١، والبحر الرائق ٢/ ٤٩٤). ٥ - أن الفطر بالنسبة للمريض والمسافر رخصة شرعت لرفع الحرج عنه، والصيام عزيمة والإتيان بالعزيمة أفضل من الرخصة فكان الصيام أفضل. (انظر: فتح القدير ٢/ ٣٥١، وبداية المجتهد ١/ ٣٤٥). ٦ - أن في الصوم إبراء للذمة، وبالفطر تبقى الذمة مشغولة. (انظر: المجموع ٦/ ٢٦١). ويمكن أن تناقش الأدلة العقلية بما يلي: ١ - أما الدليل الأول فيسلم به حال العذر بالسفر أو المرض الموجب للقضاء عند الإقامة والشفاء أما مسألتنا فهي للمسن الذي سينتقل للبدل وهو الإطعام فلا قضاء عليه فهو في كل يوم يزداد مرضه وضعفه ولا يرجى شفاؤه في الغالب. ٢ - أما الدليل الثاني فلا يسلم به بل الاتيان بالرخصة عند تحقق موجبها أفضل لكون الصيام مع المشقة يلحق ضرراً بالمسن الضعيف. ٣ - أما الدليل الثالث فإن المسن إذا افطر لا تكون ذمته مشغولة إذا أطعم عن كل يوم مسكيناً. (٢) فتح القدير ٢/ ٣٥١، والبحر الرائق ٢/ ٤٩٤. (٣) المدونة الكبرى ١/ ٢٠١، والاستذكار ١٠/ ٧٩.