للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والإثم، فأما بعد وجوده منه، فلا وجه للخوف منه بأن يَجنف أو يأثم، بل تلك حال مَنْ قد جَنفَ أو أثم، ولوْ كان ذلك معناه لقيل: فمن تبيّن من مُوص جَنفًا أو إثمًا - أو أيقن أو علم - ولم يقل: فمن خَافَ منه جَنفًا" (١).

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {مِنْ مُوصٍ} [البقرة: ١٨٢]، على وجهين (٢):

أحدهما: {من موص}، خفيفة ساكنة الواو. ق بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، وحفص عن عاصم خفيفة أيضا.

والثاني: {من موص} مثقلة مفتوحة الواو مشددة الصاد. وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي.

وهما لغتان للعرب مشهورتان: وصَّيتك، وأوصيتك (٣)، فمن قرأ ذلك: {مُوصِ} بتخفيف (الصاد) وتسكين (الواو)، فإنما قرأه بلغة من قال: أوصيتُ فلانًا بكذا " (٤).

ومن قرأ: {مُوَصٍّ} بتحريك (الواو) وتشديد (الصاد)، قرأه بلغة من يقول: وصَّيت فلانًا بكذا" (٥).

قال القرطبي: والتشديد" أبين، لأن أكثر النحويين يقولون (موص) للتكثير" (٦).

وقرأ عليٌّ -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ-: " (حَيْفاً) بالحاء والياء؛ أي ظُلماً(٧).

والفرق بين الْجَنَفِ وَالْحَيْفِ: "أنَّ (الْجَنَفَ) عدول عن الشيء، و (الْحَيْفَ) حَمْلٌ عَلَى الشَّيْءِ حَتَّى يَنْتَقِصَهُ، وَعَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يَنْتَقِصَ حَقَّهُ (٨).

قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: ١٨٢]؛ أي إن الله "واسع المغفرة والرحمة لمن قصد بعمله الإِصلاح" (٩).

قال سعيد بن جبير: " يعني: الوصي حين أصلح بين الورثة رحيم يعني: رحيما به خبيرا به، حيث رخص له في خلاف جور وصية الميت" (١٠).

قال الطبري: " والله {غَفورٌ} للموصي فيما كان حدَّث به نفسه من الجنف والإثم، إذا تَرَك أن يأثم ويَجنف في وصيته، فتجاوزَ له عما كان حدَّث به نفسه من الجور، إذ لم يُمْضِ ذلك فيُغْفِل أن يؤاخذه به، {رحيمٌ} بالمصلح بينَ المُوصي وبين من أراد أن يَحيف عليه لغيره، أو يَأثَم فيه له" (١١).


(١) تفسير الطبري: ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣. ومن ثم قال: فإن أشكل ما قلنا من ذلك على بعض الناس فقال: فما وجه الإصلاح حينئذ، والإصلاح إنما يكون بين المختلفين في الشيء؟
قيل: إنّ ذلك وإن كان من معاني الإصلاح، فمن الإصلاح الإصلاحُ بين الفريقين، فيما كان مخوفًا حدوثُ الاختلاف بينهم فيه، بما يؤمن معه حُدوث الاختلاف. لأن " الإصلاح "، إنما هو الفعل الذي يكون معه إصلاحُ ذات البين، فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين - قبلَ وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه.
فإن قال قائل: فكيف قيل: " فأصلح بينهم "، ولم يجر للورثة ولا للمختلفين، أو المخوف اختلافهم، ذكرٌ؟
قيل: بل قد جرى ذكر الذين أمر تعالى ذكره بالوصية لهم، وهم والدا المُوصي وأقربوه، والذين أمروا بالوصية في قوله: " كُتب عليكم إذا حَضر أحدكم الموتُ إن تَركَ خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف "، ثم قال تعالى ذكره: " فمن خافَ من مُوص " - لمن أمرته بالوصية له - " جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم " - وبين من أمرته بالوصية له - " فلا إثم عليه ". والإصلاح بينه وبينهم، هو إصلاح بينهم وبين ورثة الموصي". (تفسير الطبري: ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥).
(٢) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٦.
(٣) انظر: معاني القرآن للفراء: ١/ ١١١.
(٤) تفسير الطبراني: ١/ ١٢٠.
(٥) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٦٩.
(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٦٩.
(٧) تفسير الطبراني: ١/ ١٢٠.
(٨) تفسير الطبراني: ١/ ١٢٠. حكاه عن الفراء، ولم أقف عليه في معاني القرآن.
(٩) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٦.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦٢١): ص ١/ ٣٠٣.
(١١) تفسير الطبري: ٣/ ٤٠٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>