للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٨ - ومنها: أن العبد يقتل بالعبد - ولو اختلفت قيمتهما؛ لعموم قوله تعالى: {والعبد بالعبد}؛ فلو قتل عبد يساوي مائة ألف عبداً لا يساوي إلا عشرة دراهم فإنه يقتل به؛ لعموم قوله تعالى: {والعبد بالعبد}.

٩ - ومنها: أن العبد إذا قتل وكان قاتله حراً فإنه لا يقتل به؛ لمفهوم قوله تعالى: {الحر بالحر}؛ وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن الحر يقتل بالعبد؛ لعموم قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: ٤٥]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس ... » (١)؛ وهذا القول هو الصواب؛ والقول الثاني: أن الحر يقتل بالعبد إذا كان مالكاً له؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه» (٢)؛ وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر: «أولاً»: للاختلاف فيه؛ و «ثانياً»: أن يقال: إذا كان السيد يقتل بعبده وهو مالكه فمن باب أولى أن يقتل به من ليس بسيد له؛ وأما حديث: «لا يقتل حر بعبد» (٣) فضعيف.

١٠ - ومنها: أن الأنثى تقتل بالأنثى - ولو اختلفت صفاتهما - لعموم قوله تعالى: {والأنثى بالأنثى}.

١١ - ومنها: أن الأنثى تقتل بالرجل؛ لأنها إذا قتلت بالأنثى فإنها من باب أولى تقتل بالرجل؛ ودلالة الآية عليه من باب مفهوم الأولوية.

١٢ - ومنها: أن الرجل لا يقتل بالمرأة؛ لأنه أعلى منها؛ هذا مفهوم الآية؛ والصواب أنه يقتل بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يهودياً كان قتل جارية على أوضاح لها – رض رأسها بين حجرين (٤)؛ فرض النبي صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين؛ وهذا يدل أن قتله كان قصاصاً؛ لا لنقض العهد – كما قيل به.

١٣ - ومنها: جواز العفو عن القصاص إلى الدية؛ لقوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ... ) إلخ؛ وهل له أن يعفو مجاناً؟ الجواب: نعم؛ له ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى ندب إلى العفو فقال: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} [التغابن: ١٤]، وقال في وصف أهل الجنة: {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} [آل عمران: ١٣٤]؛ لكن العفو المندوب إليه ما كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: ٤٠]؛ فإذا كان في العفو إصلاح، مثل أن يكون القاتل معروفاً بالصلاح؛ ولكن بدرت منه هذه البادرة النادرة؛ ونعلم، أو يغلب على ظننا أنا إذا عفونا عنه استقام، وصلحت حاله، فالعفو أفضل لا سيما إن كان له ذرية ضعفاء، ونحو ذلك؛ وإذا علمنا أن القاتل معروف بالشر، والفساد، وإن عفونا عنه لا يزيده إلا فساداً، وإفساداً فترك العفو عنه أولى؛ بل قد يجب ترك العفو عنه.

١٤ - ومن فوائد الآية: أنه إذا عفا بعض الأولياء عن القصاص سقط القصاص في حق الجميع؛ لقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء}؛ وهي نكرة تعم القليل، والكثير؛ لأنها في سياق الشرط؛ وعلى هذا فلو كان


(١) أخرجه البخاري ص ٥٧٣، كتاب الديات، باب ٦: قول الله تعالىك ٠ ان النفس بالنفس والعين بالعين)، حديث رقم ٦٨٧٨، وأخرجه مسلم ص ٩٧٤، كتاب القسامة، باب ٦: ما يباح به دم المسلم، حديث رقم ٤٣٧٥ [٢٥] ١٦٧٦.
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٠ حديث رقم ٢٠٣٦٤، وأخرجه أبو داود ص ١٥٥٤، كتاب الديات، باب ٧: من قتل عبده ... ، حديث رقم ٤٥١٥، وأخرجه الترمذي ص ١٧٩٤، كتاب الديات، باب ١٧: ما جاء في الرجل يقتل عبده، حديث رقم ١٤١٤، وأخرجه النسائي ص ٢٣٩٥، كتاب القسامة والقود والديات، باب ١١: القود من السيد للمولى، حديث رقم ٤٧٤٢؛ واخرجه ابن ماجة ص ٢٦٣٧، كتاب الديات، باب ٢٣: هل يقتل الحر بالعبد، حديث رقم ٢٦٦٣، وأخرجه الدارمي ٢/ ٢٥٠، من كتاب الديات، باب ٧: القود بين العبد وبين سيده، حديث رقم ٢٣٥٨، وفي سنده "الحسن عن سمرة"؛ وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه، ففي صحيح البخاري سماع منه لحديث العقيقة، وعند علي بن المديني أن نسخة الحسن عن سمرة كلها سماع؛ وكذا حكى الترمذي عن البخاري، وقال القطان هي كتاب، فلا يقتي الانقطاع (تهذيب التهذيب).
(٣) أخرجه الدارقطني ٣/ ١٣٣، حديث رقم ١٥٨، وفيه جويبر، وقال الدارقطني، والنسائي وغيرهما متروك الحديث (ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٧)، وراجع: التلخيص الحبير (ج ٤/ ٢٠) حديث رقم ٧، والإرواء ٧/ ٢٦٧، حديث رقم ٢٢١١.
(٤) أخرجه البخاري ص ١٨٩، كتاب الخصومات، باب ١: ما يذكر في الأشخاص، والخصومة بين المسلم واليهود، حديث رقم ٢٤١٣؛ وأخرجه مسلم ص ٩٧٣، كتاب القسامة ... ، باب ٣: ثبوت القصاص في القتل بحجر ... ، حديث رقم ٤٣٦١ [١٥] ١٦٧٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>