للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذلك بأن عمومها مخصص بحديث علي-رضي الله عنه-عند البخاري وفيه: "وأن لا يقتل مسلم بكافر" (١)، وغيره من الأحاديث الثابتة الدالة على ذلك. على أن الخلاف بين الفريقين هو في قتل المسلم بالمعاهد، أما الحربي فمحل إجماع على عدم قتل المسلم به. والله أعلم (٢).

قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: ١٧٨]، " أي: يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله" (٣).

قال الصابوني: " هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه" (٤).

قال ابن عباس: " ما أنزل الله آية في القرآن، يقول فيها: {يا أيها الذين آمنوا}، إلا كان على شريفها وأميرها" (٥).

قال ابن عثيمين: " تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادَى؛ ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن تنفيذ هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ وعلى أن فواته نقص في الإيمان؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فأرعها سمعك- يعني استمع لها-؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه" (٦) " (٧).

قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: ١٧٨]، " أي: فرض عليكم أن تقتصوا للمقتول من قاتله بالمساواة دون بغي أو عدوان" (٨).

قال الطبري: أي: " كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصَاصُ في القتلى، فَرضًا، أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله" (٩).

قال ابن عثيمين: "وسمي الفرض مكتوباً؛ لأن الكتابة تثَبِّت الشيء، وتوثقه؛ قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: ٢٨٢] " (١٠).

قال الراغب: "ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض والعزم، بالكتابة، ووجه ذلك: أن الشيء يراد، ثم يقال، ثم يكتب، فالإرادة مبدأ، والكتابة منتهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبدأ إذا أريد توكيده بالكتابة التي هي المنتهى" (١١).

وجاءت كلمة {كتب}، في القرآن على وجوه (١٢):

أحدها: المعنى المعجمي للكلمة، وهو الكتابة.

الثاني: بمعنى: فُرض وأُوجب، كما في الآية موضع التفسير، وكقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [البقرة: ١٨٠].

وفي اللغة العربية قد تأتي كلمة (فرض) بمعنى (كتب)، وهذا وارد في كلام العرب، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة (١٣):


(١) الفتح: ١٢/ ٢٥٦ رقم: ٦٩٠٣،
(٢) انظر: بداية المجتهد لابن رشد: ٢/ ٧٠٦ - ٧٠٩، الإفصاح لابن هبيرة: ٢/ ١٩٠، مختصر خلافيات البيهقي للإِشبيلي: ٤/ ٣٢٣ - ٣٣٦، نيل الأوطار للشوكاني: ٧/ ١٥٣ - ١٥٩.
(٣) تفسير المراغي: ١١/ ٤٣، وانظر: صفوة التفاسير: ٢/ ٤٨٧.
(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٧٥.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٥): ص ١/ ١٩٦.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٩١): ص: ٣/ ٧١٨.
(٧) تفسير ابن عثيمين: ١/ ٣٣٧.
(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٥.
(٩) تفسير الطبري: ٣/ ٣٦٥.
(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٩٦.
(١١) المفردات: ٤٢٥.
(١٢) انظر: التفسير البسيط: ٣/ ٥٣٠، والمحرر الوجيز: ٢/ ٨٣، والمفردات: ٤٢٥ - ٤٢٧، والبحر المحيط: ٢/ ٧ - ٨.
(١٣) ديوان عمر: ٤٢١، والبيان والتبيين ٢: ٢٣٦، والكامل ٢: ١٥٤، وتاريخ الطبري ٧: ١٥٨، وأنساب الأشراف ٥: ٢٦٤، والأغاني ٩: ٢٢٩. ولهذا الشعر خبر. وذلك أن مصعب بن الزبير، لما خرج إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي المتنبئ فظفر به وقتله، كان فيمن أخذ امرأته عمرة بنت النعمان بن بشير، فلما سألها عنه قالت: رحمة الله عليه، إن كان عبدًا من عباد الله الصالحين: فكتب مصعب إلى أخيه عبد الله إنها تزعم أنه نبي! فأمر بقتلها. وقتلها الذي تولى قتلها قتلا فظيعًا، فاستنكره الناس، وقالوا فيه، وممن عمر:
إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ العَجَائِبِ عِنْدي ... قَتْلُ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ
قُتِلَتْ هكذا عَلَى غَيْرِ جُرْم ... إِنَّ لِلهِ دَرَّهَا من قَتِيلِ
كُتِبَ القتل. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

<<  <  ج: ص:  >  >>