رسول؛ ثم إن المراد أن نؤمن بأن الله أنزل على موسى كتاباً يسمى التوراة؛ وعلى عيسى كتاباً يسمى الإنجيل؛ وعلى داود كتاباً يسمى الزبور؛ أما أن تؤمن بالموجود منها الآن فليس بواجب عليك؛ لأنه محرف، ومغير، ومبدل؛ لكن تؤمن بأن له أصلاً نزل على هؤلاء الرسل.
٦ - ومن فوائد الآية: أن الإيمان بالنبيين من البر؛ فنؤمن بكل نبي أوحى الله إليه؛ فمن علمنا منهم نؤمن به بعينه؛ والباقي إجمالاً؛ وقد ورد في حديث صححه ابن حبان أن عدة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً؛ وأن عدة الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً (١)؛ فإن صح الحديث فهو خبر معصوم يجب علينا الإيمان به؛ وإن لم يصح فإن الله تعالى يقول:{ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك}[غافر: ٧٨]؛ ونحن لا نكلف الإيمان إلا بما بلغنا؛ فالذين علمناهم من الرسل يجب علينا أن نؤمن بهم بأعيانهم؛ والذين لم نعلمهم نؤمن بهم إجمالاً، كما قال تعالى:{كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله}[البقرة: ٢٨٥]؛ وقد ذكر في القرآن أربعة وعشرون رسولاً؛ قال تعالى:{ووهبنا له}[الأنعام: ٨٤] أي إبراهيم: {إسحاق ويعقوب كلًّا هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلًّا فضلنا على العالمين}[الأنعام: ٨٤ - ٨٦]؛ فهؤلاء ثمانية عشر؛ ويبقى شعيب، وصالح، وهود، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد صلى الله عليه وسلم.
٧ - ومن فوائد الآية: أن إعطاء المال على حبه من البر؛ وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به وقال: إن الله يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}[آل عمران: ٩٢]؛ وعندما سمع أبو طلحة هذه الآية تصدق ببستانه الذي هو أحب شيء إليه من ماله؛ لا لأنه بستانه فقط؛ ولكن لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتي إليه، ويشرب فيه من ماء طيب، وكان قريباً من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولما نزلت الآية:{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: "يا رسول الله، إن الله أنزل هذه الآية:{لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}؛ وإن أحب مالي إليّ «بيرُحاء»؛ وإني أضعها صدقة إلى الله ورسوله؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بخ! بخ! ذاك مال رابح! ذاك مال رابح! أرى أن تجعله في الأقربين"(٢).
٨ - ومن فوائد الآية: أن إعطاء ذوي القربى أولى من إعطاء اليتامى، والمساكين؛ لأن الله بدأ بهم، فقال تعالى:{وآتى المال على حبه ذوي القربى}؛ فلو سأل سائل: هل الأفضل أن أعطي القرابة، أو اليتامى؟ لقلنا: أعطِ القرابة؛ اللهم إلا إن يكون هناك ضرورة في اليتامى ترجح إعطاءهم؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تقديم صلة الرحم على العتق (٣)؛ واعلم أن الحكم إذا علق بوصف تختلف أفراده فيه قوة وضعفاً،
(١) راجع صحيح ابن حبان ١/ ٢٨٧ – ٢٨٩، باب: ما جاء في الطاعات وثوابها، ذكر الاستحباب للمرء ان يكون له من كل خير حظ رجاء التخلص في العقبى بشيء منها، حديث رقم ٣٦٢؛ وفي سنده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، قال فيه أيو حاتم: "أظنه لم يطلب العلم، وهو كذاب"؛ وقال علي بن الحسين بن الجنيد: "صدق أبو حاتم، ينبغي أن لا يحدث عنه" (كتاب الجرح والتعديل لعبد الرحمن بن أبي حاتم ٢/ ١٤٢ – ١٤٣)؛ وقال الذهبي: "والصواب: إبراهيم بن هشام أحد المتروكين الذين مشاهم ابن حبان، فلم يصب" (ميزان الاعتدال ٤/ ٣٧٨)؛ وأخرجه الحاكم من (المستدرك ٢/ ٥٩٧، كتاب التاريخ)؛ ففي سنده يحيى بن سعيد القرشي البصري – وقيل: الكوفي -؛ قال ابن حبان فيه: "شيخ يروي عن ابن جريج المقلوبات، وعن غيره من الثقات الملزقات، لا يحل= = الاحتجاج به إذا انفرد" (كتاب المجروحين ٣/ ١٢٩)؛ وقال ابن عدي: "وهذا حديث منكر من هذا الطريق" (الكامل في الضعفاء ٩/ ١٠٦)؛ لكن بالنسبة لعدد الرسل فقد أخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي أمامه رضي الله عنه، ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"؛ وأقره الذهبي (المستدرك على الصحيحين ٢/ ٢٦٢، كتاب التفسير، بسم الله الرحمن الرحيم، من سورة البقرة)؛ وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة المجلد السادس، القسم الأول ص ٣٥٨ – ٣٥٩، حديث رقم ٢٦٦٨؛ وأما بالنسبة لعدد الأنبياء، فقد جاء من عدة طرق كلها فيها مقال؛ وقال الألباني: "فهو صحيح لغيره" (المجلد السادس، القسم الأول، ص ٣٦٣). (٢) أخرجه البخاري ص ١١٥، كتاب الزكاة، باب ٤٤: الزكاة على الأقارب، حديث رقم ١٤٦١، وأخرجه مسلم ص ٨٣٦، كتاب الزكاة، باب ١٤: فضل النفقة والصدقة على الأقربين ... ، حديث رقم ٢٣١٥ [٤٢] ٩٩٨. (٣) انظر ٢/ ٣٠٨.