قال ابن عثيمين:"وفي تصريف هذه الرياح آيات: لو بقيت الريح في اتجاه واحد لأضرت بالعالم؛ لكنها تتقابل، فيكسر بعضها حدةَ بعض، ويذهب بعضها بما جاء به البعض الآخر من الأذى، والجراثيم، وغيرها؛ كذلك أيضاً في تصريفها آيات بالنسبة للسحاب فبعضها يجمع السحاب؛ وبعضها يفرقه؛ وبعضها يلقحه؛ وبعضه يدره، فيمطر، كما قال تعالى:{الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيبسطه في السماء كيف يشاء}[الروم: ٤٨]، وقال تعالى:{وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين}[الحجر: ٢٢]؛ قال المفسرون: تلقح في السحاب؛ وفي تصريف الرياح أيضاً آيات للسفن الشراعية؛ وفيه أيضاً آيات في إهلاك الناس، وإنجاء آخرين: أهلك الله به عاداً، وطرد به الأحزاب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وأنجى الله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهذه الريح من شر الأحزاب؛ ومن تدبر هذا عرف ما فيها من قدرة الله، ورحمته، وعزته، وحكمته؛ لو أن جميع مكائن الدنيا كلها اجتمعت، وصارت على أقوى ما يكون من نَفْث هواء لا يمكن أن تحرك ساكناً إلا فيما حولها فقط؛ لكن أن تصل من أقصى الشمال إلى الجنوب، أو بالعكس فلا؛ والله - جل وعلا - يقول للشيء إذا أراده:{كن فيكون}[البقرة: ١١٧]؛ فتجد الرياح شديدة شمالية؛ وفي لحظة تنعكس، وتكون جنوبية شديدة؛ هذه تمام القدرة العظيمة، حيث يدبر الله هذه الرياح بأمر لا يستطيعه البشر؛ ولهذا صار تصريف الرياح آية من آيات الله العظيمة الدالة على قدرته؛ ثم إن في تصريفها أيضاً مصالح للسفن الجوية؛ لأن لها تأثيراً على الطائرات - كما يقولون؛ وكذلك بالنسبة للسيارات لها تأثير"(١).
قوله تعالى:{وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}[البقرة: ١٦٤]، "أي: وفي السحاب المسخر بين السماء والأرض"(٢).
قال ابن كثير: أي: "سائر بين السماء والأرض يُسَخَّر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى"(٣).
قال المراغي:" أي الغيم الذي ذلل وسحب فى الجواء لإنزال الأمطار في مختلف البلاد"(٤).
قال الواحدي:" سمي السحاب لانسحابه في الهواء، ومعنى التسخير: التذليل، {والسحاب المسخر}: المطيعة لله تعالى"(٥).
قال ابن عثيمين:" و (وَالسَّحَابِ) هو هذا الغمام، والمزن؛ وسمي سحاباً؛ لأنه ينسحب انسحاباً في الجو بإذن الله؛ و (الْمُسَخَّرِ)، أي المذلل بأمر الله لمصالح الخلق؛ ومن الآيات فيه أنه دال على: القدرة (٦)، والرحمة (٧)، والحكمة (٨).
والمراد بـ (السماء): "السقف المرفوع؛ و {الأرض}: أرضنا هذه؛ وهذه البينية لا تقتضي الملاصقة، ولا المماسة - كما هو ظاهر؛ وبهذا يعرف الرد على الذين أنكروا قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن»(٩)، وقالوا: «لو كان هذا حقيقة للزم أن تكون أصابع الرحمن
(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٦ - ٢١٧. (٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٧. (٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٥. (٤) تفسير المراغي: ٢/ ٣٧. (٥) التفسير البسيط: ٣/ ٤٦٦، وانظر: المفردات" ٢٣٣، "التفسير الكبير" ٤/ ٢٠٢، "اللسان" ٤/ ١٩٦٣ (سخر). (٦) قال: " أما دلالته على القدرة: فلأنه لا يستطيع أحد أن يفرقه إلا الله؛ ولا يستطيع أحد أن يوجهه إلى أي جهة إلا الله؛ ثم من يستطيع أن يجعل هذا السحاب أحياناً متراكماً حتى يكون مثل الجبال السود يوحش من يراه؛ وأحياناً يكون خفيفاً؛ وأحياناً يكون سريعاً؛ وأحياناً يكون بطيئاً؛ وأحياناً لا يتحرك؛ لأنه يسير بأمر الله". [تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٧]. (٧) قال: "وأما دلالته على الحكمة: فلأنه يأتي من فوق الرؤوس حتى يكون شاملاً لما ارتفع من الأرض، وما انهبط منها؛ ويأتي قطرات حتى لا ينهدم البنيان، ولا تشقق الأرض". [تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٧]. (٨) قال: "وأما دلالته على الرحمة: فلما يحصل من آثاره من نبات الأرض المختلف الذي يعيش عليه الإنسان، والبهائم". [تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١٧]. (٩) أخرجه مسلم ص ١١٤٠، كتاب القدر، باب ٣٣: تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، حديث رقم ٦٧٥٠ [١٧] ٢٦٥٤.