وقال سعيد بن جبير: " مَا أعطِيَ أحدٌ ما أعطيت هذه الأمة: {الذينَ إذا أصابتهم مصيبه قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صَلواتٌ من رَبهم وَرحمة}، ولو أعطيها أحدٌ لأعطيها يعقوب عليه السلام، ألم تسمعْ إلى قوله: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} [سورة يوسف: ٨٤] " (١).
قال أبو بكر الوراق: " {إنا لله}: اقرار منا له بالملك، {وإنا إليه راجعون}: في الآخرة، إقرار على أنفسنا بالهلاك" (٢).
قال عليه السلام: " من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلقاً يرضاه " (٣).
وعن جويبر، عن الضحاك، قال: "كتب إليه رجل يسأله عن هذه الآية الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أخاصة هي؟ أو عامة؟ قال: هي لمن آمن بالتقوى وأدى الفرائض" (٤).
قال الراغب: "وحقيقة الرجوع إليه تتبين في قوله- عز وجل- {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} فهو أدق معنى مما قدره من قال: (إنا راجعون) إلى أن لا يملك أمورنا غيره كما كنا في الابتداء، فجعل ذلك رجوعأ لهم" (٥).
قال القرطبي: جعل الله تعالى هذه الكلمات: {قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين: لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله: (إِنَّا لِلَّهِ) توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله: {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له" (٦).
وللمفسرين في هاتين الجملتين المقولتين: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: ١٥٦]، أقوال (٧):
أحدها: أن نفوسنا وأموالنا وأهلينا لله لا يظلمنا فيما يصنعه بنا. الثاني: أسلمنا الأمر لله ورضينا بقضائه، {وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} يعني: للبعث لثواب المحسن ومعاقبة المسيء.
الثالث: راجعون إليه في جبر المصاب وإجزال الثواب.
الرابع: أن معناه إقرار بالمملكة في قوله: {إِنَّا لِلَّهِ}، وإقرار بالهلكة في قوله: {وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.
قال أبو حيان: " واشتملت الآية على فرض ونفل. فالفرض: التسليم لأمر الله، والرضا بقدره، والصبر على أداء فرائضه. والنفل: إظهاراً لقول {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، وفي إظهاره فوائد منها: غيظ الكفار لعلمهم بجده في طاعة الله" (٨).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أن من سمة الصابرين تفويض أمرهم إلى الله بقلوبهم، وألسنتهم إذا أصابتهم المصائب؛ لقوله تعالى: {وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}.
٢ - ومنها: مشروعية هذا القول؛ وقد جاءت السنة بزيادة: «اللهم أْجُرني في مصيبتي» - أي أثبني عليها - «وأخلف لي» بقطع الهمزة - أي اجعل لي خلفاً «خيراً منها» (٩) والدليل على هذا قصة أم سلمة رضي الله
(١) أخرجه الطبري (٢٣٣١): ص ٣/ ٢٢٤.
(٢) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٣.
(٣) رواه الطبراني في الكبير وإسناده ضعيف: انظر: مجمع الزوائد: ٢/ ٣٣١. وأخرجه الطبري والبيهقي في الشعب، فقال: خْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّرَائِفِيُّ، نَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ سورة البقرة آية ١٥٦، إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ: أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا سَلَّمَ لأَمْرِ اللَّهِ , وَرَجَعَ وَاسْتَرْجَعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَ خِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ: الصَّلاةَ مِنَ اللَّهِ، وَالرَّحْمَةَ، وَتَحْقِيقَ سَبِيلِ الْهُدَى، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وَأَحْسَنَ عُقْبَاهُ، وَجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صَالِحًا يَرْضَاهُ ". (شعب الإيمان: ٩٠٥٨).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٢٣): ص ١/ ٢٦٥.
(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
(٦) تفسير القرطبي: ٢/ ١٧٦.
(٧) انظر: البحر المحيط: ١/ ٤٥١.
(٨) البحر المحيط: ١/ ٤٥٢.
(٩) أخرجه مسلم ص ٨٢٢، كتاب الجنائز، باب ٢: ما يقال عند المصيبة، حديث رقم ٢١٢٦ [٣] ٩١٨.