للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن عثيمين: " لأن لهم ما كسبوا، ولكم ما كسبتم" (١).

قال القرطبي: "أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، مثل قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى" (٢).

قال الثعلبي: " وإنّما تسألون عمّا تعملون أنتم" (٣).

قال البيضاوي: " أي لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم (٤).

قال الصابوني: " أي لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا بل كل نفسٍ تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء" (٥).

قال القاسمي: " أي فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة. فلها ما كسبت. وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد صلّى الله عليه وسلّم فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم. ولا تسألون إلا عن عملكم" (٦).

قال ابن عاشور: " والخطاب موجه إلى اليهود أي لا ينفعكم صلاح آبائكم إذا كنتم غير متبعين طريقتهم، فقوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} تمهيد لقوله: {وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} إذ هو المقصود من الكلام، والمراد بما كسبت وبما كسبتم ثواب الأعمال بدليل التعبير فيه بلها ولكم، ولك أن تجعل الكلام من نوع الاحتباك والتقرير لها ما كسبت وعليكم ما كسبتم أي إثمه، ومن هذه الآية ونظائرها انتزع الأشعري التعبير عن فعل العبد بالكسب" (٧).

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: بطلان التقليد، لأن قوله: {لها ما كسبت} يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزا لكان كسب المتبوع نافعا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق.

٢ - الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان، واتباع محمد عليه الصلاة والسلام، وتحذيرهم من مخالفته.

٣ - الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم، وتحقيقه ما روي عنه عليه السلام أنه قال: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا" (٨).

وقال الله تعالى: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: ١٠١]، وقال تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به} [النساء: ١٢٣] وكذلك قوله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعام: ١٦٤) وقال: {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} (النور: ٥٤) (٩).


(١) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨١.
(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ١٣٩.
(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ٢٨٢.
(٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٠٨.
(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٨٦.
(٦) محاسن التأويل: ١/ ٤١٢.
(٧) تفسير ابن عاشور: ١/ ٧٣٥.
(٨) رواه البخاري (٢٧٥٣) ومسلم (٢٠٦).
(٩) يقول الشيخ ابن باز رحمه الله: " المعيار الحقيقي هو اتباع ما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة قولا وعملا واعتقادا، أما الأنساب فإنها لا تنفع ولا تجدي، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) – رواه مسلم - وقال: (يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا)، وهكذا قال لعمه العباس وعمته صفية وابنته فاطمة، ولو كان النسب ينفع أحدا لنفع هؤلاء " انتهى. مجموع فتاوى ابن باز (٣/ ٩٨).
وقد يسأل السائل: هل أن صلاح الآباء يثاب عليه الأبناء؟ فنقول: بأن العمل الصالح قد يثاب عليه المؤمن أيضا في أبنائه وذريته، قال ابن رجب: وقد يحفظ الله العبد بصلاحه في ولده وولد ولده، كما قيل في قوله تعالى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: ٨٢]: إنهما حفظا بصلاح أبيهما، وقال محمد بن المنكدر: إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وقريته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فما يزالون في حفظ من الله وستره، وقال ابن المسيب لابنه: يا بني لأزيدن في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، وتلا هذه الآية: {وكان أبوهما صالحا} [الكهف: ٨٢]، وقال عمر بن عبد العزيز: ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه.
ومتى كان العبد مشتغلاً بطاعة الله فإن الله عز وجل يحفظه في تلك الحال، كما في مسند الإمام أحمد: ٥/ ٦٧|) قال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٧٧): ورجاله رجال الصحيح): عن حميد بن هلال عن رجل قال:
"أتيت النبي صلّى الله عليه وسلم فإذا هو يريني بيتًا فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِيهِ فَخَرَجَتْ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عَنْزًا وَصِيصِيَتَهَا [الصِّيصيَّة: هي الصِّنارة التي يغزل بها وينسج]، كَانَتْ تَنْسِجُ بِهَا قَالَ: فَفَقَدَتْ عَنْزًا، مِنْ غَنَمِهَا وَصِيصِيَتَهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ قَدْ ضَمِنْتَ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِكَ أَنْ تَحْفَظَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي قَدْ فَقَدْتُ عَنْزًا مِنْ غَنَمِي وَصِيصِيَتِي، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ عَنْزِي وَصِيصِيَتِي. قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ شِدَّةَ مُنَاشَدَتِهَا رَبِّهَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَصْبَحَتْ عَنْزُهَا وَمِثْلُهَا وَصِيصِيَتُهَا وَمِثْلُهَا، وَهَاتِيكَ [فَأْتِهَا]. قَالَ: قُلْتُ: بَلْ أُصَدِّقُكَ".
وكتبت عائشة إِلَى معاوية: "إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئًا". [أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: (٧/ ٢٤٤) برقم (٣٥٧١٧)، والبيهقي في "الزهد الكبير": (٨٨٥)].
(مجموع رسائل ابن رجب: ٣/ ١٠٠ - ١٠٣).
وقال ابن القيم في حشيته على ابي داود (٦/ ٥٥): وفيه بقاء عار الآباء في الأعقاب لقوله بنت عدو الله فدل على أن لهذا الوصف تأثيرا في المنع وإلا لم يذكره مع كونها مسلمة وعليه بقاء أثر صلاح الآباء في الأعقاب لقوله تعالى وكان أبوهما صالحا.
وقال شيخ الاسلام في (اسباب رفع العقوبة: ص ٤٧): "سابعها: قال الله - تعالى - فى قصة الغلامين اليتمين: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) فانتفعا بصلاح أبيهما، وليس من سعيهما.
وقد تطرق أهل التفسير إلى هذا الموضوع من خلال تفسيرهم لقوله تعالى {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: ٨٢] وفيما يأتي ملخص آرائهم:
قال ابن كثير: "وقوله: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت السنة به، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح، وتقدم أنه كان الأب السابع. [فالله أعلم]. (تفسير ابن كثير: ٦/ ١٨٥).
وقال البغوي رحمه الله: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) قيل: كان اسمه "كاسح" وكان من الأتقياء. قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبويهما، وقيل: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء، قال محمد بن المنكدر: إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده [وولد ولده]، وعترته وعشيرته وأهل دويرات حوله فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم.
قال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي. (تفسير البغوي: ٥/ ١٩٦).
وقال الطبري رحمه الله: وقوله: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا) يقول: فأراد ربك أن يدركا ويبلغا قوتهما وشدّتهما، ويستخرجا حينئذ كنزهما المكنوز تحت الجدار الذي أقمته رحمة من ربك بهما، يقول: فعلت فعل هذا بالجدار، رحمة من ربك لليتيمين. وكان ابن عباس يقول في ذلك ما حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسره، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس، في قوله (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) قال: حفظا بصلاح أبيهما، وما ذكر منهما صلاح. (تفسير الطبري: ١٨/ ٩٠).
وقال الرازي: في تفسير قوله تعالى (وكان أبوهما صالحا): " يدل على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء وعن جعفر بن محمد كان بين الغلامين وبين الأب الصالح سبعة آباء وعن الحسن بن علي أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما: بم حفظ الله مال الغلامين؟ قال: بصلاح أبيهما، قال: فأبي وجدي خير منه؟ قال: قد أنبأنا الله أنكم قوم خصمون". (مفاتيح الغيب: ٢١/ ١٦٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>