بنفي، أي انتفاء أي إلغاء الفارق، فمثال القياس الجلي الذي قطع فيه بنفي الفارق قياس الأمة على العبد في تقويم حصة الشريك على شريكه المعتق الموسر وعتقها عليه، ومثال القياس الجلي الذي قطع فيه بضعف الفارق قياس العمياء على العوراء في المنع من التضحية الثابت بحديث السنن الأربعة (لا تجزئ في الأضاحي العوراء المبين عورها)(١) ومعنى القطع بضعفه أن يكون تأثيره فيه احتمالا ضعيفا، إذ يحتمل أن يفرق بينهما بأن العمياء ترشد إلى المرعى الجيد فترعى فتسمن، والعوراء توكل إلى نفسها وهي ناقصة البصر فلا ترعى حق الرعي: فيكون العور مظنة الهزال، فإن هذا الاحتمال ضعيف يعارضه الأمر باستشراف الأذن والعين في (حديث علي رضي الله عنه في السنن)(٢)، واحترز بالقياس الجلي من القياس الخفي وهو ما كان احتمال الفارق فيه قويا كقياس القتل بمثقل على القتل بمحدد في وجوب القصاص، وقال أبو حنيفة بعدم القصاص في المثقل، وقول المصنف: قاطعا، يقتضي أنه لا ينقض إلا ما خالف القاطع وهم نصوا على أنه إذا خالف السنة غير المتواترة ينقض، وكذلك إذا خالف عمل أهل المدينة فإنه ينقض، وليس ذلك بقاطع بل هو ظن جلي، ويدفع هذا الاعتراض بأن المسائل التي ذكرها بقوله: كاستسعاء معتق وشفعة جار، إلخ، الكاف فيها للتشبيه لا للتمثيل، وهذا هو الحق كما قاله ابن مرزوق، وهو الذي ارتضاه التتائي، وجد علي الأجهوري، والشيخ أحمد، ولا يصح أن يكون مثالا لما قبله إذ ليس في الحكم به مخالفة قاطع ولا جلي.
قال مصطفى: وليس فيه مخالفة سنة، فإن المراد بالمخالفة للسنة أن لا يكون الحكم مستندا لسنة أخرى، وهذا ليس كذلك. واعلم أن ما مشى عليه المص في هذه المسائل هو مذهب ابن الماجشون فقط، وهو في التوضيح معترف بذلك، وما زال الأشياخ يستبعدونه، والمعتمد خلافه وهو قول ابن القاسم وابن عبد الحكم، ولذا لم يعرج ابن الحاجب وابن شأس على قول ابن الماجشون هذا، فكان على المص أن لا يذكره لما علمت، ولأنه لا يلائم قوله: ورفع الخلاف بل ينافيه. اهـ. كلام
(١) أبو داود، كتاب الضحايا، رقم الحديث ٢٨٠٢ - الترمذي كتاب الأضاحي، رقم الحديث ١٤٣٧ - النسائي، كتاب الضحايا، رقم الحديث ٤٣٧٨ - ابن ماجه، كتاب الأضاحي، رقم الحديث ٣١٤٤. (٢) أبو داود، كتاب الضحايا، رقم الحديث ٢٨٠٤ والترمذي، كتاب الأضاحي، رقم الحديث ١٤٩٨ والنسائي، كتاب الضحايا، رقم الحديث ٤٣٧٢ وابن ماجه، كتاب الأضاحي، رقم الحديث ٣١٤٣.