باب: ذكر فيه الوديعة وأحكامها وما يتعلق بها، وهي مأخوذة من الودع وهو الترك، ومنه قوله تعالى:{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} أي ما ترك عادة إحسانه إليك في الوحي لأن المشركين ادعوا ذلك لما تأخر الوحي، وهي لغة الأمانة وتطلق على الاستنابة في الحفظ وذلك يعم حق الله وحق الآدمي، وعرف ابن عرفة الوديعة بقوله: الوديعة إذا كانت بمعنى الإيداع فهي نقل مجرد حفظ ملك ينقل فيدخل إيداع ذكر الحقوق، ويخرج حفظ الإيصاء والوكالة لأنهما لأزيد منه وحفظ الربع لأنه لا ينقل، وقول ابن الحاجب كابن شأس تابعين للغزالي استنابة في حفظ المال يبطل عكسه ما دخل وطرده ما خرج، وإذا كانت اسما فهي متملك نقل مجرد حفظه وهو المستعمل في عرف الفقهاء ولا يتناوله لفظ ابن شأس. انتهى. وإخراجه لفظ الربع من الوديعة اعترضه الوانوغي بقول المدونة في الهبات: إلا أن يكون له في يدك أرض أو دار أو رقيق بكراء أو عارية أو وديعة. انتهى. بناء على أن الثلاثة ترجع لكل واحد من الثلاثة، فيقتضي أن حفظ ربع غيره وعقاره وديعة. قال الوانوغي: وادعاء اللف والنشر في هذا المقام بعيد. انتهى. قال ابن غازي. في تكميله: وليس ببعيد. انتهى.
وقال الحطاب مؤيدا للوانوغي: ولم يذكر أحد إخراج العقار من الوديعة. انتهى. قال الرهوني: قول البناني عن ابن غازي وليس ببعيد قد سلم المشدالي ما قاله الوانوغي من أنه بعيد، وسلمه بقوله: لكونه خلاف الظاهر ولا دليل يعرف منه فوجب الوقوف عنده. انتهى. وسلمه الحطاب وهو حقيق بالتسليم، قلت: كلامهم يقتضي أنهم لم يقفوا على نص يشهد لإطلاق الوديعة على الربع إلا هذا النص الزي تنازعوا فيه مع أنه صرح في النوادر نقلا عن كتاب ابن المواز وابن عبد الحكم بتسمية الدار وديعة، وقد نقل الحطاب نفسه كلامه في الفرع الأول عند قول المص بعد "وبمنعها حتى يأتي الحاكم"، وأغفل الاحتجاج به هنا لا صوبه من كلام الوانوغي، ووقع أيضا صريحا في كلام اللخمي، ونصه: وإن قال في الدار وديعة منذ سنة ولم يثبت ذلك له يقبل قوله لإمكان أن تكون من شهر. انتهى منه بلفظه.
تنبيهات: الأول: قال ابن عبد السلام عند قول ابن الحاجب وهي جائزة من الجانبين ما نصه: وربما يعرض لها اللزوم من وجه آخر كما لو كان ربها عاجزا عن حفظها فيتعين عليه الإيداع