للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الجلال والإكرام ثم يقول لهم: مرحبا بكم يا عبادي وزواري وخيرتي من خلقي الذين رعوا عهدي وحفظوا وصيتي وخافوني بالغيب وراقبوني فتمنوا يا عبادي ما شئتم فلو رأيتهم وقد سمعوا كلام ربهم وقد دخل قلوبهم السرور وقد بلغوا غاية الكرامة ومنتهى الرضى والغبطة، فما ظنك بنظرهم إلى العزيز العظيم الذي لا تقع عليه الأوهام ولا تحيط به الأفهام ولا تحده القصور ولا تكيفه الفكر، الأزلي القديم الذي حارت العقول عن إدراكه وكلت الألسن عن صفاته المتعالي بجلاله عن سمات المخلوقين، فلما سر أولياء الله برؤيته وأكرمهم بقربه ونعم قلوبهم بمناجاته أذن لهم بالانصراف إلى منازلهم وما أعد الله لهم من كرامته والنعيم في جنته، فما ظنك بوجوه نظرت إلى الله عز وجل وسمعت كلامه كيف أضعف حسنها وزاد في جمالها ونورها فلما رجعوا إلى منازلهم وأزواجهم وقد ازداد بعضهم في أعين بعض حسنا وجمالا ورجعوا إلى نعيمهم ولذاتهم واشتاق بعضهم بعضا فركب بعضهم إلى بعض وتزاوروا على النجائب والتقوا على أنهار الجنان وعليها الثمار والحسان والزرابي والأرجوان، فجلسوا علي السرر وقامت الولدان بكؤوس الأكواب يغرفون من أنهار الخمر والسلسبيل والتسنيم فأعظم به من مجلس وأكرم بهم من منادمين في ظل طوبي يأكلون ويشربون ويتنعمون كما قال الله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} فهم في الجنة منعمين تلك أجر العاملين وسرور المحزونين وثواب المتقين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيئين ورسول رب العالين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. انتهى كلام المحاسبي رحمه الله تعالى. انتهى كلام الثعالبي رحمه الله تعالى.

وقال الثعالبي رحمه الله: قلت: قال الحليمي: الجنة فوق السماوات دون العرش هي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء جعلنا الله من أهلها بفضله، وروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر، ثم تتشقق الأنهار بعد ذلك (١)) وهو حديث حسن صحيح. انتهى. وروى العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنهار الجنة تخرج من تحت قلال أو جبال مسك (٢)). انتهى. وفي الحديث: (أنهار الجنة تجري على غير أخدود) أي تجري في غير حفير. ونقل الثعالبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن


(١) سنن الترمذي، كتاب صفة الجنة، رقم الحديث ٢٥٧١.
(٢) التذكرة ص ٤٠٥.