فتحصل من هذا أن القول بعدم اللزوم بالكلام النفسي هو الراجح وإن كان الآخر قد شهر، واتضح لك أن محل الخلاف إنما هو حيث أنشأ الطلاق بقلبه كما [ينشئه](١) بلسانه إلا أنه لم يلفظ به بلسانه، فعبارة من يقول في الطلاق بالنية قولان غير تامة، وكذا عبارة من يقول من اعتقد الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه ففيه قولان؛ لأن من نوى طلاق امرأته وعزم عليه وصمم ثم بدا له لا يلزمه طلاق إجماعا، وكذا من اعتقد أن امرأته مطلقة وجزم بذلك ثم تبين له خلاف ذلك لم يلزمه طلاق إجماعا، فمسألة الطلاق هذه من مسائل الإنشاء بكلام النفس، وكذا اليمين أيضا وقع فيها الخلاف هل تتعقد بإنشاء كلام النفس أولا بد من اللفظ.
سؤال: انعقد الإجماع على عدم اشتراط القصد في الصريح، واللخمي وصاحب المقدمات يقولان: والصحيح من المذهب اشتراط النية فكيف الجمع بينهما؛ جوابه أن المشترط النية التي هي الكلام النفساني؛ فلابد أن يطلق بقلبه كما طلق بلسانه والكلام النفساني يسمى نية، وأما نية الطلاق بمعنى العزم والتصميم فقد تقدم أنها لا توجب الطلاق إجماعا، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} المعنى إذا أردتم إيقاع الطلاق فأوقعوه في حال تستقبل المرأة فيه عدتها، ولو كان الطلاق يقع بالنية لألزمته طلقة بإرادة الطلاق وأُخْرَى بإصدار اللفظ. قاله ابن غازي. عن ابن راشد. وكذا لا أثر للوسواس، ولا لقوله في خاطره أطلق هذه وأستريح.
ولما أنهى الكلام على أركان الطلاق وكان للركن الرابع وهو اللفظ تشعب فهو أطولها، شرع في متعلقاته فمنها تكرره بعطف ودونه فقال: وإن كرر الطلاق بعطف بواو أو فاء أو ثم فثلاث يعني أن الزوج إذا طلق زوجته وكرر طلاقها وعطفه بالواو، كما لو قال لها: أنت طالق وطالق وطالق، أو قال لها أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق، أو قال ما ذكر عاطفا بالفاء أو ثم فإنه تلزمه في جميع ذلك ثلاث تطليقات بعدد ما كرر، وإنما تلزمه الثلاث إن دخل بالزوجة التي قال لها ذلك فتلزمه الثلاث فيها نسقه أم لا، بشرط أن تكون العدة باقية، وأما غير المدخول بها فكذلك إن نسقه كمن أتبع الخلع طلاقا فيلزمه في المدخول بها وغيرها، فإن لم ينسقه لم يلزمه ما زاد على الواحدة في غير المدخول بها؛ لأنها تبين بها ولا يقال إن ثم تدل على التراخي فلا يلزمه إلا واحدة في غير المدخول بها إن عطف بثم؛ لأن دلالة ثم على المهلة إنما هي في غير الإنشاء، وأما