الحج، والباء بمعنى في. أو العمرة. انظر الحطاب. وقوله:"أو قدم"، معطوف على انقطع. وندب لذي أهلين؛ يعني أن من كان له أهل بمكة وله أهل بغيرها، ثم قدم مكة معتمرا في أشهر الحج، يستحب له أن يهدي، قال في المدونة: ومن له أهل بمكة وأهل ببعض الآفاق فقدم مكة معتمرا في أشهر الحج فهذا من مشتبهات الأمور، والأحوط له أن يهدي يريد لأنه تعارض عنده دليلان، أحدهما موجب للهدي وهو كونه آفاقيا، والثاني مسقط له وهو كونه مكيا، فاحتاط بالهدي، وظاهر ذلك سواء كان سكناه فيه متساويا أم لا. وحكى ابن المواز عن أشهب أن العبرة بالمكان الذي يكثر به سكناه، فإن كان سكناه في مكة أكثر فلا هدي وإلا فليهد. واختلف الشيوخ في فهم المدونة، هَل هي على ظاهرها فيكون ندب الهدي عندها مطلقا، وعليه فيكون قول أشهب مخالفا للمدونة، وعلى هذا تأولها التونسي؟ أو هي ليست على ظاهرها بل تفسر بقول أشهب، فيندب عندها دم التمتع؟ إلا أن يقيم ذو الأهلين بأحدهما أي بأحد المكانين اللذين بكل منهما له أهل أكثرَ مما يقيم بالآخر؛ يعني أن من الأشياخ من تأول المدونة على قول أشهب، فقال: محل الندب الذي في المدونة إنما هو حيث استوت إقامته بالمكانين، وأما إن كانت إقامته في أحدهما أكثر من إقامته بالآخر، فإن ذلك يعتبر أي يعتد به، فإذا كانت سكناه في مكة أكثر من سكناه بغيرها فلا دم لأنه من حاضري المسجد الحرام، وإن كانت إقامته في غير مكة أكثر من إقامته بمكة -أعزها الله تعالى- فإنه يجب عليه الدم.
وقد علمت أنه على هذا التأويل يكون قول أشهب موافقا لما في المدونة، وقوله: تأويلان، مبتدأ حذف خبره؛ أي في ذلك تأويلان، الأول وهو تأويل الإطلاق للتونسي كما عرفت، وهو تأويل الخلاف، والثاني وهو تأويل التقييد للخمي وهو تأويل الوفاق. هذا هو تحرير المسألة. والله سبحانه أعلم. قال عبد الباقي: والمذهب الأول، فالندب حاصل مطلقا، ونحوه للخرشي، وقال محمد بن الحسن في قول عبد الباقي: والمذهب الأول: مثله في الخرشي، واعترضه أبو علي قائلا: لم أر من ذكره. وقال الحطاب في دلالة لفظ المدونة المتقدم على كون الدم مستحبا: نظر، بل المتبادر منه أنه واجب، نعم نقلها سند وابن الحاجب بلفظ هذا من مشتبهات الأمور،