واعلم أن من أراد دخول مكة لحج أو عمرة فلا يجوز له دخولها إلا بإحرام، فإن دخلها بغير إحرام ثم رجع إلى بلده فقد عصى ولا قضاء عليه كما في تحية المسجد، واختلف هل عليه دم أم لا؟ فقال ابن القاسم: لا دم عليه ورواه عن مالك وهو مذهب المدونة، وقال مالك في الموازية: عليه الدم. قاله الحطاب. وقوله:"ولا دم"، فإن لم يرجع وأحرم فعليه الدم. ولو علم؛ يعني أنه إذا رجع إلى الميقات وأحرم منه فلا دم عليه، ولو علم أوَّلًا أنه لا يجوز له أن يتعدى الميقات بغير إحرام، ورد المصنف بلو قول ابن الحاجب: إن كان جاهلا وإلا فدم، وأنكره ابن عرفة، فقال: وَقَوْلُ ابن الحاجب إن كان جاهلا وإلا فدم: لَا أَعْرِفُهُ، ونحوه قول ابن شأس: إن عاد بعد البعد لم يسقط، فإنه خلاف المذهب، وقد أنكره ابن عرفة أيضا. قاله الحطاب.
وأما تقييد المدونة بالجاهل فإنه خرج مخرج الغالب. ما لم يخف فوتا؛ "ما" هذه ظرفية متعلقة بقوله: "وإلا رجع". قاله الحطاب. ومعنى كلام المصنف أن من جاوز الميقات غير محرم وهو مريد لأحد النسكين فإنه يؤمر بالرجوع للميقات ليحرم منه ما لم يخف فوات الحج أو فوات رفقة أو مرضا شاقا، وأما إن خاف شيئا من ذلك فَلا يرجع، بل يحرم من مكانه، وعليه الدم لكونه لم يحرم من الميقات، فإن خاف فوات الحج، وفاته بالفعل، وتحلل منه فلا دم عليه كما أشار إليه بقوله الآتي:"لا فات"، وقوله:"فالدم"؛ أي لأن محظورات الإحرام تستباح للأعذار بالهدي، ولو قال المصنف: ما لم يخف كفوات، ليشمل ما إذا خاف فوات الحج أو مرضا أو قتالا أو فوات رفقة ونحو ذلك لكان أحسن، ومعنى قوله:"ما لم يخف فواتا"، ما لم يغلب على ظنه أنه إذا رجع يفوته الحج.
وعُلِمَ مما مر ثمان صور؛ لأنه إما أن يخرج ليعود أو لا، وفي كل إما أن يعود بقرب أو بعد فهذه أربع صور، وفي كل إما أن تطول إقامته قبل العود أو لا، فمتى خرج لا ليعود فلا يدخلها إلا محرما، عاد عن قرب أو بعد، طالت بالعرف إقامته قبل العود أم لا، إلا أن يرجع لأمر عاقه كما وقع لابن عمر. ومتى خرج ليعود فلا بد من إحرامه إن عاد عن بعد مطلقا أو عن قرب وطالت إقامته، لا إن لم تطل، وأن الدم خاص بمن قصد نسكا ولم يحرم من الميقات ولا من بلده فيمن دون الميقات على خلف في الأخير. والله سبحانه أعلم.