للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

استيقظ وهو يضحك، فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة] (١). الحديث. وما رواه أبو داوود عن عبد الله بن عمر أنه عليه الصلاة والسلام، قال: [لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله] (٢).

إلا أن يغلب عطبه؛ يعني أن محل وجوب ركوب البحر حيث تعين طريقا للحج، وجوازه حيث لم يتعين إنما هو حيث لم يغلب على الظن العطب أي التلف في نفس أو مال، وذلك عند ارتجاجه وطغيانه، ويرجع في ذلك لقول أهل المعرفة. وقوله: إلا "أن يغلب عطبه"، يدخل فيه عطب الدين كالخوف من عدو الدين أو المفسدين من المسلمين. واعلم أن فائدة قوله: "والبحر كالبر" الخ، التنصيص على أعيان المسائل والرد على من يقول بالمنع مطلقا، وعلى من يقول بالمنع إلا فيمن لا يمكنهم الحج إلا بركوبه كأهل الأندلس، وكراهة ركوبه لغيرهم.

وفي التوضيح: قال القاضي أبو الحسن: إن كان بحرا مأمونا يكثر سلوكه التجارُ وغيرهم فإنه لا يسقط فرض الحج، وإن كان بحرا مخوفا تندر فيه السلامة ولا يكثر ركوب الناس له فإن ذلك يسقط فرض الحج. انتهى. وفي التلقين: والبحر كالبر إن غلبت السلامة فيفيد أنه لا يجب الحج في حال تساوي العطب والسلامة، خلاف ما يفيده المصنف من وجوب الحج فيها. والله سبحانه أعلم.

تنبيهان: الأول: اعلم أنه إذا غلب العطب في الطريق بحرا أو غيره حرم الخروج، وسئل اللخمي عمن خرج حاجا في طريق مخوفة على غرر ويغلب على ظنه أنه لا يسلم، هل هو من الإلقاء باليد إلى التهلكة، أو هو مأجور بسبب قصده إلى فريضة الحج أو التقرب بالنفل إن كان قد حج، أم ليس بمأجور ولا مأثوم؟ فأجاب: الحج مع هذه الصفة من الغرر ساقط، وتحامله بعد ذلك لا يُسلم فيه من الإثم، قال البرزلي: هذا بين على ما حكى ابن رشد أن من شرط جواز تغيير المنكر أن لا يخاف على نفسه، وأما على ما اختاره عز الدين من أنه جائز ولو خاف على نفسه لأن


(١) البخاري، كتاب الجهاد، رقم الحديث: ٢٧٨٨/ ٢٧٨٩، مسلم، كتاب الإمارة، رقم الحديث: ١٩١٢.
(٢) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، الحديث: ٢٤٨٩.