لا بدين؛ يعني أن من لا يمكنه الوصول إلى مكة إلا بأن يتداين في ذمته كأن يقترض مالا ليحج به أو يشتري مالا في ذمته ليحج به، لا يلزمه ذلك حيث لم يكن عنده ما يقضيه به أو كان، ولا يمكنه الوصول إليه لبعده أو نحو ذلك وإلا وجب عليه الحج. وقال الشيخ محمد بن الحسن عند قوله "لا بدين": أي لا يجب عليه أن يشتري مالا في ذمته ليحج به وهو حينئذ مكروه أو حرام كما في الحطاب.
أو عطية؛ يعني أن الشخص إذا أعطي عطية وكان لا يمكنه الوصول إلى مكة إلا بقبولها، فإنه لا يلزمه قبولها ليكون بذلك مستطيعا، وإذا لم يقبلها فالحج ساقط عنه، وإذا قبلها فلا إشكال في وجوب الحج عليه لكونه مستطيعا، وأما لو تداين وكان لا قدرة له على الوفاء به فقد مر أن قضاء الدين مقدم على الحج -وبالله تعالى التوفيق- والعطية تشمل الصدقة والهبة والهدية والوصية.
تنبيهات: الأول: قال صاحب الطراز: إذا لم يكن له مال فبذل له مال ليحج به لم يلزمه قبوله عند الجميع إلا أن يكون الباذل ولده لما فيه من تحمل مشقة المنة، وأما إن بذل له الولد قرضا فلا يلزمه لأنه يكون عليه دينا والدين يمنع وجوب الحج، فبان من هذا أن قوله:"لا بدين"، عام في الولد وغيره، وأن قوله:"أو عطية"، مقيد بغير هبة الولد لوالده. والله سبحانه أعلم. ولابن العربي عن مالك وأبي حنيفة: لا يلزمه قبول هبة ابنه ويلزمه عند الشافعي، وما لسند أظهر ولابن رشد ما يوافقه. قاله الحطاب.
الثاني: لا يُكْرِه السلطانُ المرءَ على أن يحجَّ أباه ولا على أن ينكحه على القول بالتراخي، وأما على الفور فيلزمه ذلك كما يلزمه أن يشتري ماء لغسله ووضوئه؛ إذ لا يسعه أن يؤخر ذلك من أمر دينه. قال الحطاب. وقد علمت أن الراجح أن الحج واجب على الفور، فيلزم حينئذ الولد أن يحجج (١) أباه ويلزم الوالد القبول، وإذا قلنا إنه لا يجب عليه الحج بالدين إذا لم يكن له جهة وفاء كما مر، فهل يباح له ذلك وهو فعل قبيح؛ لأنه يشغل ذمته وكانت بريئة؟ قاله المصنف. والقبيح هو المنهي عنه شرعا، سواء كان حراما أو مكروها، والمنع ظاهر إذا لم يُعْلِمْ من يقترض