للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الحج ساقط عن أهل المغرب، وذلك مذكور عن بعض من يعزى إلى الفقه من المتأخرين، ويأبى الله والمسلمون سقوط قاعدة من قواعد الإسلام، وركن من أركان الدين، وعلم من أعلام الشريعة عن مكلف في أفق من آفاق الدنيا وصقع من صقاع الأرض، وهذا معلوم في الكتاب والسنة والإجماع وأطال في ذلك. والصقع بضم الصاد المهملة وسكون القاف: الناحية، ويقال بالسين، ويحكى عن المازري أن الشيخ أبا الوليد أفتى بسقوط الحج عن أهل الأندلس، وأن الطرطوشي -بضم الطاء الأولى- أفتى بأنه حرام على أهل المغرب، وأن من غر وحج سقط فرضه ولكنه آثم.

ورد ابن العربي على القائلين بمثل هذا، فقال: العجب ممن يقول: الحج ساقط عن أهل المغرب وهو يسافر من قطر إلى قطر، ويقطع المخاوف ومخوف البحار في مقاصد دينية ودنيوية والحال واحد في الخوف والأمن والحلال والحرام وإنفاق المال وإعطائه في الطريق وغيره لمن لا يرضى. انتهى. قال ابن المعلى: إشارة صوفية، وقال المازري: حضرت مجلس شيخنا أبي الحسن اللخمي وحوله جمع من أهل العلم من تلامذته، فأكثروا القولَ والتنازعَ في هذه المسألة، فمن قائل بالإسقاط ومن متوقف ساكت والشيخ رحمه الله تعالى ساكت لا يتكلم، وكان معي في المجلس الشيخ أبو الطيب الواعظ، وكنا ما أبصرناه، فأدخل رأسه في الحلقة وخاطب الشيخ اللخمي:

إن كان سفك دمي أقصى مرادهم … فما غلت نظرة منهم بسفك دمي

فاستحسن اللخمي هذه الإشارة من جهة المتصوفة لا من جهة المتفقهة، ولما فسر الاستطاعة بإمكان الوصول الخ من غير زيادة الراحلة والزاد على المشهور رد على مقابله بقوله: ولو بلا زاد وراحلة؛ يعني أن المكلف إذا أمكنه الوصول إلى مكة على ما مر فإنه يجب عليه الحج، ولو كان لا زاد معه ولا راحلة، واشترطهما سحنون وابن حبيب وابن أبي أويس لخبر أبي داوود والترمذي (أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستطاعة، فقال: هي الزاد والراحلة)، وأجيب عن الحديث بأن بعض أهل العلم تكلم في راويه من قِبَلِ حفظه كما قاله الترمذي، أو بأنه خرج مخرج الغالب، أو أنه فهم عن السائل أنه لا قدرة له إلا بذلك.