(فَصْلٌ فِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ نَفْسِ الْعَبْدِ)
أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا إذَا تَصَادَقَا عَلَى الثَّمَنِ؟ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ التَّصَادُقَ فِي الثَّمَنِ خِلَافُ التَّحَالُفِ فِيهِ، فَيُصَوِّرُ بِأَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ، وَبِأَنْ يَتَصَادَقَا عَلَى عَدَمِ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ أَصْلًا. وَبِالْجُمْلَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّصَادُقُ عَلَى الثَّمَنِ مِنْ حَيْثُ تَسْمِيَةُ الثَّمَنِ وَمِنْ حَيْثُ تَسْمِيَتِهِ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ الْمَحْبُوبِيِّ
لَمَّا كَانَ شِرَاءُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ إعْتَاقًا عَلَى مَالٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَسَائِلِ فَصْلِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ لَكِنَّهُ شِرَاءُ صُورَةٍ فَنَاسَبَ أَنْ يُذْكَرَ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّرُوحِ. وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُتَنَاوَلُ إلَّا لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إنْ أُرِيدَ الشِّرَاءُ وَكَالَةً، وَإِلَّا فَلِلثَّانِيَةِ لَا غَيْرُ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَسَائِل لَمْ يَكُنْ التَّوْكِيلُ بِهِ مِنْ مَسَائِل إلَخْ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، إذْ الْمُرَادُ بِالشِّرَاءِ مَا هُوَ عَامٌّ لِلشِّرَاءِ وَكَالَةً وَلِلشِّرَاءِ أَصَالَةً فَيَتَنَاوَلُ الْكَلَامُ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَعًا. وَأَمَّا الِاحْتِيَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ التَّوْكِيلُ بِهِ مِنْ مَسَائِلِ فَصْلِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ فَأَمْرٌ ضَرُورِيٌّ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَحْذُورَ أَنْ لَا يَكُونَ التَّوْكِيلُ بِهِ مِنْ مَسَائِلِ فَصْلِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ لَا أَنْ يَكُونَ نَفْسُ شِرَاءِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ، إذْ نَفْسُ الشِّرَاءِ مُطْلَقًا لَيْسَ مِنْ مَسَائِلِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ قَطْعًا. ثُمَّ أَقُولُ فِي اسْتِشْكَالِ مَا فِي الشُّرُوحِ: التَّوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ، بَلْ إنَّمَا يَتَمَشَّى فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ إنَّمَا يَصِيرُ إعْتَاقًا عَلَى مَالٍ أَنْ لَوْ كَانَ شِرَاؤُهُ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ لِنَفْسِهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ لِغَيْرِهِ فَلَا.
وَالتَّوْكِيلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إنَّمَا هُوَ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ لِلْمُوَكِّلِ، فَإِنْ وَافَقَ الْعَبْدُ أَمْرَ الْآمِرِ فَشِرَاؤُهُ لَيْسَ بِإِعْتَاقٍ عَلَى مَالٍ لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى بَلْ هُوَ شِرَاءٌ مَحْضٌ، وَإِنْ خَالَفَ أَمْرَهُ فَيَكُونُ شِرَاؤُهُ إعْتَاقًا عَلَى مَالٍ، وَلَا يُنَافِي كَوْنَ التَّوْكِيلِ فِي هَاتِيك الْمَسْأَلَةِ مِنْ مَسَائِلِ فَصْلِ التَّوْكِيلِ بِالشِّرَاءِ، إذْ الْمَسْأَلَةُ لَا تَتَغَيَّرُ عَنْ وَضْعِهَا بِمُخَالَفَةِ الْمَأْمُورِ؛ لِأَمْرِ الْآمِرَ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا التَّوْكِيلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّمَا هُوَ بِشِرَاءِ رَجُلٍ نَفْسَ الْعَبْدِ الْمُوَكَّلِ مِنْ مَوْلَاهُ لِذَلِكَ الْعَبْدِ، فَإِذَا وَافَقَ وَكِيلُهُ أَمْرَهُ فَاشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ مَوْلَاهُ لَهُ يَصِيرُ ذَلِكَ الشِّرَاءُ إعْتَاقًا عَلَى مَالٍ مَعْنِيٍّ، وَإِنْ كَانَ شِرَاءَ صُورَةٍ فَجَرَى التَّوْجِيهُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَ الْأُخْرَى فَكَانَ قَاصِرًا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: ثُمَّ إنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْكِيلِ بِشِرَاءِ نَفْسِ الْعَبْدِ بَدَلُ الْإِضَافَةِ وَتِلْكَ الْإِضَافَةُ إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ وَالْفَاعِلُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.