قَالَ: (وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا مِائَةَ سَوْطٍ فَجَرَحَهُ فَبَرَأَ مِنْهَا فَعَلَيْهِ أَرْشُ الضَّرْبِ) مَعْنَاهُ: إذَا بَقِيَ أَثَرُ الضَّرْبِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْقَ أَثَرُهُ فَهُوَ عَلَى اخْتِلَافٍ قَدْ مَضَى فِي الشَّجَّةِ الْمُلْتَحِمَةِ. .
قَالَ (وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ خَطَأً ثُمَّ قَتَلَهُ خَطَأً قَبْلَ الْبُرْءِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَسَقَطَ عَنْهُ أَرْشُ الْيَدِ) لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَالْمُوجَبُ وَاحِدٌ وَهُوَ الدِّيَةُ وَإِنَّهَا بَدَلُ النَّفْسِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي النَّفْسِ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ ابْتِدَاءً. .
قَالَ: (وَمَنْ جَرَحَ رَجُلًا جِرَاحَةً لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ حَتَّى يَبْرَأَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْحَالِ اعْتِبَارًا بِالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُوجِبَ قَدْ تَحَقَّقَ فَلَا يُعَطَّلُ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «يُسْتَأْنَى فِي الْجِرَاحَاتِ سَنَةً» وَلِأَنَّ الْجِرَاحَاتِ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَآلُهَا لَا حَالُهَا لِأَنَّ حُكْمَهَا فِي الْحَالِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَعَلَّهَا تَسْرِي إلَى النَّفْسِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ قَتَلَ وَإِنَّمَا يَسْتَقِرُّ الْأَمْرُ بِالْبُرْءِ. .
قَالَ: (وَكُلُّ عَمْدٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ فِيهِ بِشُبْهَةٍ فَالدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَكُلُّ أَرْشٍ وَجَبَ بِالصُّلْحِ فَهُوَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَعْقِلُ الْعَوَاقِلُ عَمْدًا» الْحَدِيثُ. وَهَذَا عَمْدٌ،
الْأَرْشِ بِاسْوِدَادِ السِّنِّ، وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السِّنُّ مِنْ الْأَضْرَاسِ الَّتِي لَا تُرَى أَوْ مِنْ الْعَوَارِضِ الَّتِي تُرَى. قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِيهَا عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ كَانَ السِّنُّ مِنْ الْأَضْرَاسِ الَّتِي لَا تُرَى، إنْ فَاتَتْ مَنْفَعَةُ الْمَضْغِ بِالِاسْوِدَادِ يَجِبُ الْأَرْشُ كَامِلًا، وَإِلَّا يَجِبُ حُكُومَةُ الْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَ السِّنُّ مِنْ الْعَوَارِضِ الَّتِي تُرَى وَتَظْهَرُ يَجِبُ كَمَالُ الْأَرْشِ بِالِاسْوِدَادِ، وَإِنْ لَمْ تَفُتْ مَنْفَعَتُهُ لِأَنَّهُ فَوَّتَ جَمَالًا عَلَى الْكَمَالِ انْتَهَى.
وَهَذَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ هُنَا وَعَزَاهُ أَكْثَرُهُمْ إلَى الذَّخِيرَةِ فَقَطْ، وَأَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى جَوَابِ الشِّقِّ الثَّانِي مِنْ التَّفْصِيلِ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوهُ قُبَيْلَ فَصْلِ الشِّجَاجِ مِنْ أَنَّ الْجَمَالَ تَابِعٌ فِي الْعُضْوِ الَّذِي يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَنْفَعَةُ انْتَهَى. أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِي الْأَسْنَانِ الَّتِي تُرَى لَيْسَتْ بِمَقْصُودَةٍ مِنْهَا بِالذَّاتِ وَإِنْ حَصَلَتْ فِيهَا أَيْضًا فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا بِالذَّاتِ الْجَمَالُ وَالزِّينَةُ لِلْإِنْسَانِ، وَمَا ذَكَرُوا قُبَيْلَ فَصْلِ الشِّجَاجِ مِنْ كَوْنِ الْجَمَالِ تَابِعًا إنَّمَا هُوَ فِي الْأَعْضَاءِ الَّتِي يُقْصَدُ مِنْهَا الْمَنْفَعَةُ أَصَالَةً كَالْيَدِ وَنَحْوِهَا فَلَا مُخَالَفَةَ (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَعْقِلُ الْعَوَاقِلُ عَمْدًا» الْحَدِيثُ) قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَقَدْ مَرَّ آنِفًا انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا النَّظَرُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَمَا رُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ، رُوِيَ أَيْضًا مَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ هُنَا صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﵊ «لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا عَبْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا مَا دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ» انْتَهَى.
وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْمَعَاقِلِ بِهَذَا الْمِنْوَالِ، فَكَانَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا رُوِيَ مَرْفُوعًا إلَيْهِ بِلَا رَيْبٍ، وَهَذَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ عَلَى مَا رُوِيَ مَوْقُوفًا أَيْضًا يُحْمَلُ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُعْلَمُ بِالرَّأْيِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى السَّمَاعِ، وَمِثْلُ هَذَا يُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ صِيَانَةً لِلصَّحَابِيِّ عَنْ الْكَذِبِ وَالْجُزَافِ وَيَصِيرُ الْمَوْقُوفُ فِيهِ كَالْمَرْفُوعِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ وَمَرَّ فِي الْكِتَابِ مِرَارًا، فَصَحَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي حَقِّ هَذَا الْحَدِيثِ لِقَوْلِهِ ﵊
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute