إزاره، ثم بناه ابن الزبير، ثم الحجاج بن يوسف، واستمَرّ إلى الآن على بناء الحجاج، وقيل: بُنِي مرتين آخريين، أو ثلاثًا، قالوا: ولا يُغَيَّر عن هذا البناء، وقد ذَكَروا أن هارون الرشيد سأل مالك بن أنس عن هدمها، وردّها إلى بناء ابن الزبير؛ للأحاديث المذكورة في الباب، فقال مالك: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين، أن لا تجعل هذا البيت لعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس، وبالله التوفيق. ذكره النوويّ -رحمه الله- (١).
قالت عائشة -رضي الله عنها- (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟) -عليه السلام- (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ) -بكسر الحاء المهملة، وسكون الدال المهملة، وقيل: يجوز بالفتحتين، بعدها مثلّثة- بمعنى الحدوث؛ أي: لولا قُرب عهد قريش (بِالْكُفْرِ) يريد أن الإسلام لم يتمكّن في قلوبهم، فلو هُدمت لربما نفروا منه؛ لأنهم يرون تغييره عظيمًا.
فقوله: "حِدْثَانُ" مبتدأ، وخبره محذوفٌ، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
أي: موجودٌ، وجواب "لولا" قوله: (لَفَعَلْتُ") أي: لهدمتها، وفي الرواية الآتية:"لولا حدثان قومك بالكفر، لنقضت البيت، وأدخلت فيه من الحجر"، وفي رواية:"لولا أن قومك حديثٌ عهدُهم في الجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أُدخل الْجَدْر في البيت، وأن أُلزق بابه بالأرض".
وفي رواية:"لولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه، فهلُمّي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبًا من سبعة أذرع".
(قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) -رضي الله عنهما- لَمّا سمع حديث عائشة -رضي الله عنهما- هذا (لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ) -رضي الله عنها-، وهذا من ابن عمر -رضي الله عنهما- ليس شكًّا في صدق عائشة -رضي الله عنها-، لكن يقع في كلام العرب كثيرًا صورة التشكيك، والمراد: التقرير واليقين، قاله في "الفتح"(٢).