في دار الفناء، وليس الكلام في دار البقاء، فلا يرد أن الحديث يدل على امتناع الرؤية في الآخرة، وكذا لا يرد أنه ليس له مانع عن الإدراك، فكيف قيل: حجابه النور؛ يريد أن حجابه على خلاف الحجب المعهودة، فهو محتجب على الخلق بأنوار عزه وجلاله وسعة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه العقول وتذهب الأبصار وتتحير البصائر.
وقال في بيان خامستها:(لو كشفه) أي: لو كشف الله سبحانه وتعالى ذلك الحجاب الذي حجبهم عن رؤيته تعالى .. (لأحرقت سبحات وجهه) تعالى؛ أي: عظمة ذاته تعالى وبهاؤها وجلالها ومحاسنها (ما) مفعول أحرقت؛ أي: المخلوق الذي (انتهى إليه) عائد إلى ما الموصول أو الموصوفة (بصره) تعالى، فاعل انتهى، والضمير فيه وفي وقوله:(من خلقه) عائد على الله تعالى، والجار والمجرور فيه حال من ما الموصولة.
والمعنى: لو كشف سبحانه وتعالى ذلك الحجاب الذي منعهم من رؤيتهم له تعالى وأزاله .. لأحرقت وأهلكت محاسن وجهه وذاته تعالى وجماله وجلاله وبهاؤه ما؛ أي: شيئًا انتهى ووصل إليه؛ أي: إلى ذلك الشيء بصره تعالى، حالة كون ذلك الشيء من مخلوقه تعالى.
والخلاصة: لو أزال المانع من رؤيته تعالى وهو الحجاب المسمى نورًا، وتجلى لخلقه .. لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته، والسبحات -بضمتين-: جمع سبحة، كغرفة وغرفات، وفسر سبحات الوجه بجلالته، وقيل: بمحاسنه؛ لأنه إذا رأيت الوجه الحسن .. قلت: سبحان الله، وقيل: إنها الأنوار التي إذا رآها الراؤون من الملائكة سبحوا وهللوا لما يروعهم من جلال الله وعظمته.