وقال ابن عبد البر لِأَنَّ الله ﷿ إِنَّمَا فَرَضَ عَلَى الْجُنُبِ الْغُسْلَ دُونَ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وَهَذَا إِجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ أيضًا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ لِلْجُنُبِ تَأَسِّيًا بِرَسُولِ الله ﷺ وَلِأَنَّهُ أَعُونُ عَلَى الْغُسْل (٣).
ودل على ذلك عموم قول النبي ﷺ للذي أصابته الجنابة:«خذ هذا فَأَفْرِغْهُ عَلَيْك». ولو كان الوضوء واجبًا لبينه النبي ﷺ، فدل ذلك على أن الواجب تعميم البدن بالماء، وأن الوضوء سنة.
وقال النبي ﷺ لأم سلمة في غسل الجنابة:«إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ». ولو كان الوضوء واجبًا لبينه النبي ﷺ:(وإنما) تفيد الحصر، فدل ذلك أن الواجب هو إفاضة الماء وتعميم الجسد.
(١) «الإنصاف» (١/ ٢٥٧)، «كشاف القناع» (١/ ١٥٤). (٢) «فتح الباري» شرح حديث (٢٥٩). (٣) «فتح البر بترتيب التمهيد» (٣/ ٤١٥)، وذهب الظاهرية إلى أن الوضوء واجب، واستدلوا بما ورد في صفة غسل النبي ﷺ من ذكر الوضوء، واعترض عليه بأن هذا على الاستحباب.