وكأنما وافاك يوم لقيتها ... من وحش وجرة عاقد متربب (١)
ثانيًا: قول الله - عز وجل -: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ. . .}
قيل: إن هذا فيه تقديم وتأخير {إِنِّي} عطف و {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ. . .} على التقديم والتأخير؛ إذ الواو لا تفيد ترتيب الزمان أي: إني رافعك إلي ثم متوفيك بعد ذلك (٢).
أي: إذ قال الله يا عيسى إني رافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا؛ فيكون هذا من المقدم الذي معناه التأخير، والمؤخر الذي معناه التقديم (٣).
ثالثًا: إن الوفاة في اللغة تطلق أيضًا على النوم:
ويحتمل أن الوفاة بمعنى النوم فيكون المعنى: إني منيمك ورافعك في نومك، فيطلق التوفي على النوم مجازًا بعلاقة المشابهة؛ في نحو قوله تعالى:{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ}، وقوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)} أي: والتي لم تمت الموت المعروف فيميتها في منامها موتًا شبيهًا بالموت التام كقوله:
{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ}، ثم قال:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} فالكل إماتة في التحقيق وإنما فصل بينهما العرف والاستعمال؛ ولذلك فرع بالبيان بقوله:{فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}، فالكلام منتظم غاية
(١) تهذيب اللغة (١٥/ ٥٨٤)، والصحاح (٥/ ٢٠٠٢)، لسان العرب (١٥/ ٤٠٠ - ٤٠١). (٢) تفسير الطبري (٣/ ٢٩٠). (٣) تفسير ابن عاشور (٣/ ٢٥٨)، تفسير الرازي (٨/ ٦٧).