مطالعته ومطالعة الحكمة التي لأجلها خُلِق مجالٌ، والقرآن العظيم لم يدع شيئًا مما هذا سَمْتُهُ إلا وقد وقعت فيه الإشارة إليه بوجه ما، وإن من أبعد الأمثال عن الأفهام -إلا فهم أولي الألباب - أن الله تعالى شرع القصاص، وهو إتلاف لعضو، أو إزهاق لروح لأجل وقاية الأعضاء، وحياة الأرواح؛ إذ يعلم العادي أنه يُقَاصَصَ فيكف، فلذلك قال الله تعالى:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة: ١٧٩]؛ أي: تتقون الحياة بوقاية أنفسكم عنها، أو بمنع غيركم منها.
وقال سفيان بن عيينة في قوله:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}؛ قال: بقية؛ تناهي بعضكم عن بعض. رواه ابن جرير (١).
ومن ألطف ما اتفق: ما رواه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء أنه قرأ:{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}، وقال: القصاص (٢) القرآن (٣).
والأولى حمل القصاص (٤) على [قصص] القرآن، وما يوافقه من مواعظ الأنبياء، ونصائح الأولياء على سبيل القص عن المتقدمين.
وعليه: فالمراد بالحياة الحياة الأخروية، وهي في الدنيا بالإيمان
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٢/ ١١٥). (٢) في "م": "القصص"، والمثبت من "تفسير ابن أبي حاتم" (١/ ٢٩٧). (٣) كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٤٤٢) إلى عبد بن حميد، ولفظه: "القصاص: قصص القرآن"، ورواه ابن أبي حاتم في "التفسير" (١/ ٢٩٧). (٤) في "م": "القصص".