وحُكي عن أبي حنيفة (١) أنه قال: لا يقتل من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل الذمَّة، ما هم عليه من الشرك أعظم.
والدليل على وجوب قتل من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - (٢) : أنه بذلك منتقصٌ له، مستهينٌ بحرمته، وفي ذلك تكذيب بما ورَدَ في القرآن، وثبت بالتواتر والإجماع من علوِّ قدره - صلى الله عليه وسلم -، وكَرَمه (٣) ، وما فضَّله الله -تعالى- به، وكذلك القول في جميع الأنبياء -عليهم السلام- وملائكةالله الكرام، وفي القرآن، وشرائع الإسلام كما ذكر أبو محمد؛ لأن كل ذلك مما جاء بالشرع المتواتر: أن الله -تعالى- اصطفاه
(١) فرق الحنفية بين الساب المسلم، والذميِّ، فقالوا بقول الجمهور في ردَّة المسلم ووجوب قتله، وأما الذمي فلا ينتقض عهده بسبِّ النبي - صلى الله عليه وسلم -. انظر: «مختصر الطحاوي» (ص ٢٦٢) ، «القدوري» (ص ١١٧) ، «اللباب» (٤/١٤٧-١٤٨) ، «الخراج» لأبي يوسف (ص ٢١٧) ، «مختصر اختلاف العلماء» (٣/٥٠٤ رقم ١٦٥٢) ، «أحكام القرآن» (٣/٤٢٧) ؛ كلاهما للجصاص، «الهداية» (٢/٤٥٦) ، «البناية» (٥/٨٤٢) ، «النتف في الفتاوى» للسغدي (٢/٦٩٤) ، «إعلاء السنن» (١٢/٦٠٤) . (٢) من قواطع الأحكام في الإسلام أنّ من سبَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهو كافر مرتدٌّ، وعقوبته القتل. وقد حكى ابن القيم -رحمه الله- في «الزاد» (٣/٢١٤) إجماع المسلمين من الصحابة -رضي الله عنهم- فمن بعدهم. وهذا إجماع محكيٌّ لدى عامة أهل العلم، وممن حكاه: الخطابي في «معالم السنن» (٦/ ١٩٩) ، وشيخ الإسلام في «الصارم المسلول» (٣/٦٩٥-٧٠١) ، والسبكي في «فتاويه» (٢/٥٧٣) . بل قرر ابن سحنون من علماء المالكية: أن من شكَّ في كفر ساب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعذابه فهو كافر. (٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «الصارم المسلول» (٢/١٦-ط. رمادي) : «وتحرير القول فيها (أي في مسألة سب النبي - صلى الله عليه وسلم -) : أنَّ السابَّ إن كان مسلماً، فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد تقدم ممن حكى الإجماع على ذلك من الأئمة، مثل: إسحاق بن راهويه وغيره، وإن كان ذمياً فإنه يقتل -أيضاً- في مذهب مالكٍ وأهل المدينة.. وهو مذهب أحمد، وفقهاء الحديث ... » . وانظر: «السيف المسلول» للسبكي (ص ١١٩- وما بعدها) . وقد أفضت الكلام على هذه المسألة في تحقيقي لكتاب «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي (٤/٢٥٨-٢٦٢) ، فانظره غير مأمور.