مثالنا: واللهِ ما بعته بثمانين وإنما بعته بمئة، فيبدأ بالنفي أولًا، كما هي العادة أن التخلية قبل التحلية، ولدفع دعوى المشتري فيقول: واللهِ ما بعته بثمانين وإنما بعته بمئة، فيجمع بين النفي والإثبات، والمشتري كذلك؛ يحلف المشتري: واللهِ ما اشتريته بكذا بكم؟ بمئة وإنما اشتريته بثمانين. فإذا تمت المحالَفة ولم يرضَ أحدهما بقول الآخر فلكلِّ واحد منهما الفسخ.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من تقدُّم حَلِف البائع، فلو بدأ المشتري أولًا لم يصح، قلنا للبائع: احلف، ثم يحلف المشتري، فيلزم المشتريَ في هذه الحال أن يَحلف ثانيةً؛ لأن المؤلف يقول:(فيحلِفُ البائعُ أولًا).
ثانيًا: ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من الجمع بين النفي والإثبات؛ نفي ما ادَّعاه خصمُه وإثبات ما ادَّعاه هو، فلو نفى ما ادَّعاه خصمه فقط وقال: واللهِ ما بعته بثمانين -يقول البائع- يكفي ولَّا لا؟ لا يكفي، حتى يُثبِت ما ادعاه؛ يحلف على ما ادعاه.
لو اقتصر على الإثبات فقط قال: واللهِ لقد بعتُه بمئة، وإن هذا المشتري كاذب؟ ما يكفي، لا بد أن يقول بالنفي: ما بعته بثمانين وإنما بعته بمئة.
لو قَدَّم الإثبات على النفي، قال: واللهِ لقد بعته بمئة وما بعته بثمانين؟ على كلام المؤلف لا يصح.
فلا بد من أمور ثلاثة:
أن يحلف البائع أولًا.
الثاني: أن يجمع بين النفي والإثبات.
الثالث: أن يقدم النفي.
وكذلك يقال بالنسبة لحلف المشتري: أن يكون ثانيًا؛ أي: أن يكون هو الثاني في اليمين، وأن يبدأ بالنفي قبل الإثبات، وأن يجمع بين النفي والإثبات.
وقال بعض أهل العلم: إن القول قول البائع؛ لأن المُلك خرج من يده، ولا يمكن أن يخرج إلا بما يرضى به هو، ما لم توجد بينة، هذا من جهة التعليل. من جهة الدليل:«إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ»(١).