ولكن ذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة خَلْفَه يجب أن تكون قعودًا؛ يعني: يصلون خلفه قعودًا وجوبًا، واستدلوا لذلك: بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَصَلُّوا قُعُودًا»، والأصل في الأمر الوجوب، لا سيما وأن النبي صلى الله عليه وسلم علَّل ذلك في أول الحديث بقوله:«إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ»؛ ويدل لذلك أيضًا أنه لما صلَّى عليه الصلاة والسلام بأصحابه ذات يوم -وكان عاجزًا عن القيام- فقاموا فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا (٥).
فكونه يشير إليهم حتى في أثناء الصلاة يدل على أن ذلك على سبيل الوجوب.
ونظير هذا أنه لما قام عبد الله بن عباس عن يساره أخذ برأسه مِن ورائه وجعله عن يمينه (٦)، وقد قالوا: إنه لا يجوز أن يقف المأموم الواحد عن يسار الإمام.
فنقول: هذا مثله، بل في هذا قول أبلغ من الفعل، وهو قوله:«إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا»(٤).
وهذا القول هو الصحيح: أن الإمام إذا صلى قاعدًا وجب على المأمومين أن يصلوا قعودًا، فإن صلوا قيامًا في هذه الحال فصلاتهم باطلة، تبطل صلاتهم.
ولهذا يُلْغَز بها، فيقال: رجل صلى الفرض قائمًا فبطلت صلاته، من هو؟
الذي صلى قائمًا خلف إمام يصلي قاعدًا.
فالقول الصحيح في هذه المسألة أنه إذا صلى الإمام قاعدًا، وجب على المأمومين أن يصلوا قعودًا، فإن صلَّوا قيامًا بطلت صلاتهم.
نرجع إلى هذه المسألة، نقول: إن المؤلف -رحمه الله- جزم بأن الإمام إذا صلى قاعدًا فإن المأمومين يصلون قعودًا، إلا أنه أدخل في ذلك شرطين نتكلم عليهما فيما بعد.
وخالف في هذا كثير من أهل العلم وقالوا: إن الإمام إذا صلى قاعدًا وجب على المأمومين القادرين على القيام أن يصلوا قيامًا، فإن صلَّوا قعودًا بطلت صلاتهم، عكس ما رجحناه.
نحن قلنا: يجب أن يصلوا قعودًا، فإن صلوا قيامًا بطلت صلاتهم.