منهم مَن قال: إنَّ فتنةَ المماتِ سؤالُ الملَكَينِ الميِّتَ في قَبْرِه عن ربِّهِ ودينِهِ، ونبيِّهِ؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أو قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»(١٤)، يؤتَى الميِّتُ ويُسألُ: مَن ربُّكَ؟ ما دينُكَ؟ من نبيُّكَ؟ أمَّا مَنْ كان إيمانُهُ في الدنيا خالصًا -أسألُ اللهَ أنْ يجعلني وإيَّاكُمْ منهم- فهذا يَسْهل عليه الجواب؛ فإذا سألوا: مَنْ ربُّك؟ قال: ربِّي الله. مَنْ نبيُّك؟ قال: نبيِّي محمَّد. ما دينُك؟ قال: ديني الإسلام. بكلِّ صراحةٍ وبكلِّ سُهولة، وأمَّا غيره -والعياذُ بالله- فإذا سُئلَ قال: هاهْ هاهْ، لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقُلْتُه (١٥). نعوذ بالله، ما دَخَلَ الإيمانُ قلْبَه.
وتأمَّلْ قولَه: هاهْ، هاهْ. كأنَّه كان يعلمُ شيئًا فنَسِيَهُ، وما أشَدَّ الحسرةَ في شيءٍ عَلِمْتَه ثم نسيتَه؛ لأن الجاهلَ لم يكسبْ شيئًا، لكن النَّاسي كَسَبَ الشيءَ فخَسِرَهُ، أمَّا الجاهل لم يكسبْ شيئًا، يهونُ عليه الأمْر، لكن هذا يقول: هاهْ، هاهْ. كأنَّه تفطَّنَ، فيُحال بينه وبين الجوابِ الصحيحِ والعياذُ بالله، والنهاية والنتيجة يقول: لا أدري مَنْ ربِّي، ما ديني، مَنْ نبيِّي، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه. لكن ما هناك إيمان، هذه فتنةٌ عظيمةٌ أسألُ اللهَ أنْ يُنَجِّيني وإيَّاكم منها، هذه الفتنة تدور في الحقيقةِ على ما في القلْب؛ إذا كان القلْبُ مؤمنًا حقيقةً يرى أمورَ الغيبِ رأْيَ العينِ فهذا يُجيب بكلِّ سُهولة، وإنْ كان الأمرُ بالعكسِ فالأمْر بالعكسِ، فهذه فتنةٌ عظيمةٌ قال بعضُ العلماءِ: إنها هي المرادةُ بقوله: مِن فتنةِ الممات.