ثالثًا: مِن الحكمة في ذلك أنَّه قد يَصعُب على الإنسان دَفْنُ ميِّته؛ كما يُروى عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام:«لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُرِيَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ»(١٣) أو كلامٌ هذا معناه، ففيه أنَّ الدَّفْنَ ربما يَصعُب ويشقُّ ولا ينقادُ الناسُ لذلك، وإنْ كان الإنسانُ إذا كان له عذابُ قبرٍ عُذِّبَ ولو على سطح الأرض.
الرابع: أنَّه لو كان يُعلَم لم يكنْ للإيمانِ فيه مَزِيَّةٌ، لماذا؟ لأنه يكون مُشاهَدًا، وهو من أمور الغيب التي يُثْنَى على مَن آمنَ بها، ثم إنَّه قد يحمِلُ النَّاسَ على أنْ يؤمنوا كلهم؛ لقوله تعالى:{فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}[غافر: ٨٤]، فإذا رأى النَّاسُ هؤلاء المدفونينَ يسمعونهم يتصارخونَ آمنوا، ما كَفَرَ أحدٌ؛ لأنه الآنَ أيْقَنَ بالعذاب، فكأنَّه رآهُ رأْيَ العينِ كأنه نَزَلَ به، فلم يكنْ للإيمان فائدة.
وحِكَمُ الله سبحانه وتعالى عظيمةٌ، والإنسانُ المؤمنُ حقيقةً هو الذي يجزمُ بخبر الله أكثرَ مما يجزمُ بما شاهَدَهُ بعينه؛ لأنَّ خَبَرَ اللهِ عزَّ وجلَّ لا يتطرَّقُ إليه احتمالُ الوهم ولا الكذب، وما تراه بعينك يُمْكن أن تتوهَّمه؛ كمْ مِن إنسانٍ شَهِدَ أنَّه رأى الهلالَ وإذا هي نجمةٌ، كمْ مِن إنسانٍ شَهِدَ أنه رأى الهلالَ وإذا هي شعرةٌ بيضاءُ على حاجبه، هذا وَهْمٌ ولَّا حقيقة؟
الطلبة: وهم.
الشيخ: كم مِن إنسانٍ يرى شَبَحًا فيقول: هذا إنسانٌ مُقبِلٌ، يَلَّه يا جماعة، السلاحَ السلاحَ، أقْبَلَ العدوُّ. وإذا هو جِذْع نخلةٍ، ما فيه عدوٌّ ولا أقْبَلَ عليه أحدٌ، هذا واقع ولَّا غير واقع؟